8 من ربيع الثاني 1440    الموافق   Dec 16, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم





جريدة الراية

التضليل السياسي... واقعه وأثره على الأمة
بقلم: حسن حمدان - الأردن

 

 

 

2015-03-25

 


لقد تنوعت وسائل وأساليب دول الكفر في محاربة المسلمين بعد أن قضت على الكيان السياسي ‏لهم "دولة الخلافة" فقتلت تلك الأم الرؤوم، وفجعت أبناءها بها، حيث فقدوا الحاضنة السياسية لهم، وحتى ‏لا يتمكن المسلمون من إعادة سلطان الإسلام، وحتى لا تعود دولته كانت حاجة الكفر ماسة لتضليل ‏المسلمين؛ كي لا يسلكوا الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى التغيير. فسلك الغرب وسائل وأساليب شتى ‏للحيلولة دون عودة الإسلام، وكان أسلوب التضليل السياسي هو أخطر تلك الوسائل.‏


إن واقع التضليل السياسي هو إخفاء للحقيقة السياسية، وطمسها والتعمية على الطرف المعني ‏بإظهار أمور أخرى لا علاقة لها بالحقيقة السياسية موضع البحث، بحيث يسلك طرقا، ويقوم بأعمال جبارة ‏تبذل فيه المهج والأرواح، وتصرف فيه الجهود والطاقات، وترفع لأجله وفيه الشعارات، وتضيع فيه ومن ‏خلاله الغاية والهدف والوقت. كل هذه الأعمال تصرف سدى في حقيقة زائفة لا علاقة لها بالواقع موضع ‏البحث، كمثل الطبيب يصرف الدواء لغير العلة الصحيحة، فيشتريه المريض، ويصرف الأموال والجهود على ‏غير فائدة تذكر، لا بل قد يكون فيه حتفه.‏


ويريد الكفر ألا تكشف خطته، وألا توجه نحوه السهام والأعمال والجهود؛ حتى يبقى متربعا على ‏عرشه ينظر إلى حركة الأمة، وهي تدور في دوامة لا تخرج منها، حيث يُظهِر لها أمورا لا علاقة لها بما يريد، ‏وكلما أدركت أن هذا السبيل مظلم أدخلها في نفق مظلم آخر، لا يقل خطورة عن الأول باغيا من خلال ‏التضليل السياسي أن يبقى هو كما يريد، وأن تصاب الأمة باليأس والقنوط مستغفلا إياها أن تسلك الطريق ‏الصحيح.‏


وحتى يتضح أسلوب الغرب الكافر في تضليل أمة الإسلام، لا بد لنا أن نعرض إلى أمور مارس فيها ‏الكفر التضليل السياسي بأبشع صوره، ونعرض إلى نتاج هذا الاستخدام وأثره على الأمة الإسلامية، ومن ‏أبرزها الأمور الآتية:‏


أولاً: أول مثال نتعرض له هو تحرير فلسطين وما يسمى بمحور الممانعة: لقد مارس الغرب الكافر ‏أعتى أنواع التضليل في مسألة قضية فلسطين، بلد الإسراء والمعراج، لحساسية هذه المسألة، وعلاقتها بيهود، ‏وارتباطها بعقيدة الأمة، فبداية وأول تضليل قام به أن خلع مسألة فلسطين من كونها نتاجا طبيعيا وحتميا ‏لضياع الخلافة حيث فتحت في زمن الخلافة الراشدة، وضاعت بعد ضياع الخلافة، وجعلت قضية قومية ‏خاصة بالعرب، ثم إلى قضية ومسألة خاصة بالفلسطينيين، وربطت بالأمم المتحدة والمواثيق الدولية كمرجع ‏وطريق بديلا عن الجهاد في سبيل الله، وعلقت أعين الناس بمنظمات وحركات علمانية أو يسارية أو وطنية ‏بغلاف إسلامي المظهر، وبأعمال فدائية لتحريك المفاوضات، وحروب مصطنعة للتحريك لا للتحرير، ‏وجعلت من منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا وحيدا للقضية، فاعترفت بكيان يهود، وأزالت من ميثاقها كل ‏ما يتعارض مع الاعتراف، ودخلت في مفاوضات خيانية، ومؤتمرات، واتفاقيات ذل واستكانة، وتمخضت ‏بطولات الأمة والتضحيات والأرواح والأموال في اتفاقية أوسلو ورفعوا شعارات من مثل: "خذ وطالب ‏وانتظر" في طريق طويل مذل، وشاق نتيجة تضليل الأمة عن الحل الصحيح، وأنتج الغرب ما يسمى بـ "دول ‏الممانعة" لاحتواء كل عمل صادق يعارض اتفاقيات أوسلو وما انبثق عنها وبني عليها. وكانت هذه الدول ‏الممانعة مانعة بحق لعودة فلسطين كما كانت جزءا لا يتجزأ من دولة الخلافة، بل ظلت حارسًا أمينًا على أمن ‏وأمان يهود، ولما تحرك الأهل في الشام ضد طاغية الشام كان القول أنه: إن ذهب نظام الأسد الممانع فلا ‏أمان لكيان يهود!!‏


ثانيا: محاربة الإسلام باسم محاربة الإرهاب: لقد أدرك الغرب الكافر أن الإسلام مبدأ: "عقيدة ‏ونظام"، وهو يوجب إقامة كيان سياسي مبني على عقيدة الإسلام مطبق لما انبثق عن هذه العقيدة من أحكام ‏ومعالجات، لذا رأى الغرب قوة الإسلام ومتانته، وتعلق المسلمين به، وإيمانهم القوي بأن الإسلام دعوة عالمية ‏ودولية أيضا، كذلك مارس شتى أنواع التضليل على المسلمين بعد القضاء على دولة الخلافة الإسلامية رسميا ‏سنة 1924م حيث مارس التضليل على مراحل عدة: أول هذه المراحل: مرحلة الترويج لأفكاره ومعتقداته ‏ومعالجاته، وأنها البلسم الشافي، والشعارات البراقة مثل: "الحرية، والعدالة، والمساواة، وحق المشاركة، وحق ‏تقرير المصير، والدولة المدنية، والديمقراطية، وأمل الشعوب المقهورة". ولكنها لم تدم بسبب وعي الأمة ‏الإسلامية، وأن ما آلت إليه من ذل وهوان هو بسبب ممارسات الغرب وأفكاره، فأطلق العنان لفكر القومية ‏العربية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وجعل من القومية دينا، ومن زعمائها أربابا، ولكنها انتهت إلى ‏هاوية سحيقة. ولما رأى الغرب عودة صحوة الأمة ووعيها على دينها، بدأ يروج إلى مفاهيمه على أنها لا ‏تعارض الإسلام، وأنتج ما يسمى الإسلام المعتدل، حيث مدنية الدولة، وقبول الآخر، ولم يفلح في هذا ‏أيضا، وقد رفعت الأمة في حركتها شعار: "الخلافة وراية رسول الله" فجاءت "خلافة اللغو" التي ساعدت ‏الغرب في تشويه الإسلام وأفكاره، وفي تشويه الخلافة، فرفع الغرب شعار: "محاربة الإرهاب" وهو يدرك حقيقة ‏أنه إنما يحارب الإسلام فكرا ونظاما وكيانا وأمة. وما التحالف الذي أنشأته أمريكا إلا لمحاربة دولة قادمة ‏وليست قائمة، لمحاربة دولة الخلافة التي على منهاج النبوة، ولكن هيهات هيهات!!‏


ثالثا: إظهار إيران بمظهر العدو للولايات المتحدة: لقد أظهرت دول الغرب الثورة "الإسلامية" في ‏إيران على أنها ثورة حقة حيث رفعت شعار: "الموت لأمريكا" وأنها "الشيطان الأكبر" لدرجة أن الأمة فُتنت ‏بهذه الثورة، وتزلزلت عروش حكام المنطقة، حيث نادت بتصدير الثورة مع أنها ثورة أمريكية على عميل ‏الإنجليز شاه إيران آنذاك، وقد تعددت وجوه التضليل، فأظهرت أن إيران دولة ذات قرار ذاتي، وذات ‏سيادة، وذات طموحات إلى أن جاءت حرب الخليج وأفغانستان، حيث اعترف ساسة إيران أنه لولا إيران ‏لغرقت أمريكا في وحل أفغانستان، والمستنقع العراقي. ثم جاءت ثورة الشام فوقفت إيران "عدو الولايات ‏المتحدة"! مع نظام الأسد المجرم العميل للولايات المتحدة، وحافظت على بقائه، وقدمت له الرجال والسلاح ‏والأموال، ثم ها هي أمريكا ترفع إيران عن قوائم الإرهاب، وتطالب برفع العقوبات عنها، وإعادة الأموال ‏المجمدة لها. وأطلقت يدها في المنطقة لتحقيق المشاريع والخطط الأمريكية نيابة عنها في الخليج والشام ‏وأفغانستان والعراق واليمن وغيرها..‏


هذه بعض الأمثلة على تضليل الغرب الكافر للمسلمين في قضايا كبيرة وحساسة، حيث بذلت ‏الأمة الإسلامية الكثير من الطاقات والجهود، وأهدرت الأوقات نتيجة التضليل السياسي، ولقد بين الإسلام ‏خطورة التضليل السياسي، ووجوب الكشف السياسي لمخططات الغرب الكافر في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ ‏نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِ‌مِينَ﴾. [الأنعام: 55] وسبيل هنا نكرة مضافة تفيد العموم أي يجب ‏عليكم أيها المسلمون أن تتوضحوا طريق الكفار في محاربة الإسلام والمسلمين، ووجوب كشف مخططاتهم، ‏وفضح مؤامراتهم، وبيان الحكم الشرعي من خلال الوعي السياسي على الأحداث، وربطها بالعقيدة ‏الإسلامية، وما أجمل وأدق ما روي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: "لست ‏بالخب ولا الخب يخدعني" أي لست بالماكر المخادع، ولا الماكر المخادع يخدعني.‏




المصدر: جريدة الراية

     
05 من جمادى الثانية 1436
الموافق  2015/03/25م
   
     
 
  مواضيع متعلقة  
 
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد