18 من ربيع الثاني 1441    الموافق   Dec 15, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




اﻹعلام وصناعة الرأي العام

 

لقد اهتم العرب قبل اﻹسلام باﻹعلام وبالرأي العام اهتماما عظيمًا، فلم يعرف عن أمة اتخذت أسواقًا للإعلام والخطابة والشعر كما هو عند العرب، مثل سوق عكاظ, ومجنة, وذي المجاز، وذلك لما للإعلام من صلة وثيقة بمكانة القبيلة ورفعتها والدفاع عن شرفها، وقد كانت القبيلة تقيم الاحتفالات، وتصنع والوﻻئم تطعم الوحش والطير احتفالا بمولد شاعر يعلي ذكرها وينافح عن سمعة القبيلة وشرفها. ولما جاء اﻹسلام ازدادت قيمة اﻹعلام عند المسلمين عما كانت عليه عند العرب لكونهم أصحاب رسالة عظيمة. وفي زماننا هذا وصف اﻹعلام بالسلطة الرابعة لعظم أهميته وتأثيره، حتى غدا وكأنه السلطة اﻷولى. واﻹعلام ليس مجرد نقل للخبر، بل هو التعاطي مع الخبر لصنع الحدث، وتحقيق الهدف.

وللوقوف على عناية اﻹسلام الفائقة باﻹعلام نستعرض نماذج من التوجيه القرآني والعناية النبوية بالخبر والتعاطي مع الخبر .

  • لقد اتخذ رسول الله شعراء مثل حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة للرد على اﻹعلام المعادي وللدفاع عن المسلمين ورسالتهم ونبيهم، وحمل الدعوة.
  • في غزوة اﻷحزاب شاع خبر مفاده أن يهود قد نقضوا عهدهم، فأرسل صلى الله عليه وسلم السعدين إلى يهود للوقوف على حقيقة الخبر، وأوصاهما إذا وجداه مكذوبا بأن يشيعوا في الناس خبر ثبات يهود على عهدهم، ﻷن في إشاعته خير علاج للشائعة الكاذبة، وأثرها على معنويات الناس، وأوصاهما إن كان الخبر صحيحًا، بأن يلحنوا له لحنا يفهمه وﻻ يشيعوا الخبر في الناس؛ حتى يتمكن من معالجة الأمر دون إشاعة الخبر, وإثارة اﻹضطراب في معسكر المسلمين.
  • وأثناء حفر الخندق كبر رسول الله مبشرًا بالنصر والغلبة على فارس وروما، وكان لهذا الخبر أثر عظيم على معنويات المسلمين .
  • عندما حرض عبد الله بن سلول على إخراج الرسول من المدينة وعدم اﻹنفاق في سبيل الله، كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم، أشار بعض الصحابة بقتل ابن سلول، إﻻ أن رسول الله رفض ذلك مخافة أن يشيع الكفار أن محمدا يقتل أصحابه، فقد كان حريصا على سمعة الدولة وعلى انتشار الدعوة.
  • عندما إشتبكت سرية عبد الله بن جحش مع ابن الحضرمي ومن معه وقتل المسلمون ابن الحضرمي وهم لا يعلمون أن هذا اليوم من الشهر الحرام، أشاعت قريش أن محمدا ينتهك اﻷشهر الحرم، رد عليهم القرآن الكريم مبينا حرمة القتال في الشهر الحرام، واﻷكبر حرمة منه الكفر والصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وفتنة الناس عن دينهم أكبر من القتل، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ‌ الْحَرَ‌امِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ‌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ‌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَ‌امِ وَإِخْرَ‌اجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ‌ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ‌ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُ‌دُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْ‌تَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ‌ فَأُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَ‌ةِ وَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ‌ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). (البقرة: ٢١٧). فأفشل اﻹعلام المعادي.
  • قبل مسير رسول الله إلى الحديبية أرسل في القبائل حول المدينة مسلمها وكافرها، من يعلن عن مسيره إلى مكة معتمرًا وليس مقاتلاً، ويدعوهم للسير معه وﻻ يحملوا من السلاح إﻻ السيوف في أغمادها، وبفعله هذا استطاع أن يحاصر قريشًا بالرأي العام، فإن منعته سقطت زعامتها الدينية، وإن سمحت له سقطت زعامتها السياسية، فكانت هدنة الحديبة والفتح المبين، مقدمة لفتح مكة.
  • لقد أمرنا ديننا بالاعتناء عناية عظيمة باﻹعلام وبالرأي العام وباعتماد اﻷمور الآتية في التعاطي مع الخبر:

1.    التثبت من الخبر وصحته قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). (الحجرات ٦)

2.    عدم إشاعة الخبر ورده إلى الجهات المختصة لفهمه الفهم الصحيح واتخاذ اﻹجراء المناسب، قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ‌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَ‌دُّوهُ إِلَى الرَّ‌سُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ‌ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَ‌حْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا). (النساء: ٨٣)

3.    أن ﻻ يفصل الإعلام عن الغايات واﻷهداف، ويجب الربط المحكم بين الخبر وغايته، فيجب أن يكون للدولة اﻹسلامية سياسة إعلامية راقية .

4.    التعمق في دراسة اﻷخبار وأحوالها وما يتعلق بها للوصول إلى ما وراء اﻷخبار.

5.    عدم بناء سياسة اﻹعلام على الكذب كما هو معمول به في اﻹعلام الغربي.

6.    إن 90% من اﻷهداف تحقق بالأعمال السياسية إذا صحبها إعلام ممنهج بدقة، فكثير من المكاسب التي تتحقق على هذا الصعيد, تعجز عنه الحروب العسكرية. وخلاصة القول إن هذا الدين عندما يتجسد في أبنائه بحق يجعل من الأمة مستودعًا لطاقات مذهلة.

اللهم أنر بصيرتنا وافتح علينا فتحا يعيننا على حمل اﻹسلام على الوجه الذي يرضيك عنا. اللهم مكن لدينك واستخدمنا وﻻ تستبدلنا.

 

 

الاستاذ سعيد رضوان (أبو عماد)

     
21 من صـفر 1436
الموافق  2014/12/13م