7 من صـفر 1442    الموافق   Sep 24, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات

المحافظة على النفس البشرية يكون بتطويعها لشرع الله..

وليس حمايتها فقط من الأضرار في الأبدان

 

 

وضعت الاوقاف عنواناً لخطبة الجمعة 13/3/2020 وهو: ( صحة الابدان من ركائز الايمان ) ولنا مع هذه الخطبة وقفات:


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد


لا يجوز للإنسان أن يلحق الضرر بغيره ولا بنفسه. وقد جاءت النصوص الشرعية وما استنبط منها من قواعد شرعية لتبيّن أحكام الضرر. وأنواع الضرر كثيرة منها ما تناولته النصوص بالاسم ومنها ما تناولته بالوصف فيدخل تحت عمومات النصوص. وهناك بعض الضرر يجوز للمرء أن يوقعه على نفسه، وهناك ضرر يحرم عليه إيقاعه على نفسه.


قد يكون الضرر في الشيء، وقد يكون الضرر في الفعل، والله سبحانه وتعالى أباح الأشياء بأدلة عامة كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ... } [لقمان: 20] واستثنى من هذه الأشياء بعضها، فحرّمها بأدلة كقوله تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ... } المائدة: 3]،

 

أما الأفعال، فالأصل فيها التقيد، وحكم العقل يكون واحداً من الأحكام الخمسة وهي: الفرض، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. وقد أباح الشارع بعض هذه الأفعال بأدلة عامة، كالنظر والأكل والمشي، وغير ذلك من الأفعال الجِبِلّية، قال تعالى {قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... } [يونس: 101]، وجاءت أدلة أخرى مخصِصةً هذه الأدلة العامة، فأخرجت بعض أنواع النظر، والأكل، والمشي، جاعلةً لها أحكاماً غير الإباحة، كالحرام والفرض والندب، وكذلك جاءت قاعدة: "كل فرد من أفراد المباح إذا كان ضاراً أو مؤدياً إلى ضرر حرّم ذلك الفرد، وظلّ الأمر مباحا" فخرجت الأفعال الضارة.

 

والضرر ضدّ النفع، وهو إيقاع الإنسان الأذى بنفسه أو بغيره، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن إيقاع أي ضرر، بقوله: "لا ضررَ ولا ضِرار" لأن النكرة في سياق النفي تدل على العموم، والضرار هو أن يضرّ الشخص من ضرّه، وقيل إنّ الضرار هو شدّة الضرر، وكلا الأمرين داخل في معنى الضرر، وجاء لفظ الضرر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار» عاماً بشمل كل ضرر، سواءً أكان إيقاع الإنسان الضرر بنفسه أو بغيره، فالله لم يكلف عباده ما يضرهم، ونهاهم عن إلحاق الضرر بأنفسهم، فقد ورد في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً يمشي، فقيل له: إنه نذر أن يحجّ ماشياً، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ الله لغني عن مشيه فليركب"،  والضرر الذي يؤدي إلى هلاك النفس البشرية حرام. وكذلك إن كان إلحاق الضرر بالنفس يخشى منه الهلاك كان حراماً أيضاً، وقد فهم الصحابة ذلك من قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ).

 

والمحافظة على النفس البشرية ليست المحافظة على الابدان والاجساد فحسب،  لأن موضوع النفس البشرية من أهم المواضيع التي ينبغي الوقوف عليها، كونها حجر الزاوية في استقامة الإنسان، وصفائه، ونقائه، وبناء شخصيته السوية، لكي نعي السبيل إلى تهذيبها، وذلك بترتيب علاقتها ما بين الغرائز الدافعة لنشاط الإنسان وعقله المرشد له.


فشخصية الإنسان تتكون من عقلية ونفسية، وهذا أمر مدرك بالحس المتصل مباشرة بواقع الإنسان. أما العقل فهو أداة التمييز والإدراك والفهم، وهو الذي يبعث بالإنسان على التفكر والتأمل والتدبر، وأما النفس فإنها تقابل العقل، وهي التي تصوغ طبائع الإنسان، وتشكل له شخصيته، (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا).

 

فالعناية بالنفس البشرية التي تصوغ شخصية الانسان مع عقليته يجب أن تولى الرعاية والاهتمام البالغين إن كنا نريد إيجاد الشخصيات الاسلامية التي تنسجم مع دينها وعقيدتها والواجبات التي أناطها الشرع بالإنسان لتكون هذه النفس على سوية من أمر الله، وهي التي تحاسب بالثواب إن تزكت وبالعقاب إن خابت، ومن هنا كان جدير بالاهتمام،  في تنقية النفس من شوائب الواقع الفاسد، وتأثيرات البيئة المحيطة، ورواسب المفاهيم القبيحة والعادات البالية التي يرفل بها المجتمع.


ويتم ذلك بتطويع النفس على غير ما تشتهيه، ولو كان من المباحات والحلال، وعلى حملها على ما لا تحب ولا ترغب به، حتى تصبح طيعة لينة بيد صاحبها. ولعل رأس الأمر في تغيير ما عليه النفس بالإضافة للإرادة، هو جعل العقل قائداً لها، والإصرار على ذلك، وفي حالتنا فإنه ينبغي جعل المنهج الشرعي هو القائد الذي يتبناه العقل، ليلزم نفسه بما ألزمه به ربه، وليتقرب إلى الله زلفى بما ندب إليه ذلك، صاداً نفسه عن كل ما حرمه الله تعالى، متجنباً ما كرهه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإذا ما حصل هذا تحقق التغيير المنشود، وسمت النفس إلى ما ينبغي أن تصل إليه، ولتتصف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون عقله الذي أعقل به».

 

ولذلك فإن المعول عليه لتغيير أنفس الناس وصياغتها بشكل سليم، هو تغيير الأوضاع العامة السائدة في المجتمع، وهذا لا يكون بدون رعاية الحاكم والدولة، المفترض أنها مسئولة عن رعاية شؤون الناس، لإيجاد سياسات عامة تضعها لطرح بيئة صحية إسلامية تنمو فيها نفوس البشر، وتترعرع على القيم الرفيعة التي لا قيمة للإنسانية حقاً إلا بها، فقد غابت هذه الدولة التي كانت تسود العالم بالعدل والرحمة والقيم الرفيعة التي رفعت شأن السلوك الانساني منذ 99 عاما، ألا وهي دولة الخلافة، فساد كل ما يفسد النفس البشرية ويهوي بها إلى البهيمية التي تصبح قائدة لنفس صاحبها فتهوي بالنفس إلى طريق الفجور والعصيان.


فينبغي أن يجــعل المــرء أمــام ناظريه شــرع الله جل وعلا، مدركاً أنه متبع بذلك عقله الذي ميزه الله به ليسلم بآلاء الله ووحيه فيسير في دربه ويعتصم بحبله، مما يبقيه مشدوداً إليه، منقطعاً إليه عمن سواه، لينطبق عليه في رحلته إلى الآخرة قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي) (30) [الفجر، فإذا ما ألزم الإنسان نفسه بذلك، وجعله تبعاً لعقله المعتنق لعقيدة الاسلام التي تفسر له سبب وجوده في الحياة، وتضع له نظاماً منبثقاً عنها؛ ليضبط حركات أفعاله على إيقاعات متناسقة من منهج الله وهديه الذي رسمه له قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا )[الإنسان 3]، فيكون قد إتبع سبيل من زكى نفسه.

 

أيها المسلمون..

 

لا ينبغي أن نصب جل إهتمامنا بأنفسنا بالحفاظ على أبداننا من الامراض والاسقام الجسدية فحسب وإن كان مما يجب، ولكن حق الرعاية أن نحافظ على أنفسنا البشرية من الفسوق والظلم والعصيان لأوامر الله وأن تكون نفسياتنا وهواها تبعاً لما جاء به الاسلام، فلا بد من العمل ليكون الاسلام مطبقاً ولا بد للأمة من حمل مبدأها حملا عملياً وذلك بإقامة كيانه السياسي وهو دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي ترعى شؤون الناس في علاقاتهم وعقلياتهم ونفسياتهم.

 

والحمدلله رب العالمين .

 

 

     
17 من رجب 1441
الموافق  2020/03/12م