7 من صـفر 1442    الموافق   Sep 24, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم






هُدمت الخلافة الإسلامية لأنها لم تُعتبر

قضية مصيرية فيها فناء الأمة أو بقاؤها.




منذ أن أُقيمت في المدينة المنورة دولةٌ تحمي ذِمارَ المسلمين وبيضةَ الإسلام، والمحاولاتُ تتابع لمحاولة القضاء عليها وإزالتها من الوجود، تعددت فيها أشكال وصور وقوى الصراع، كان النصرُ حليفَ المسلمين مدة ست قرون متوالية، والمسلمون وإن هُزموا في بعض المعارك ولكنهم كانوا يكسبون الحرب في النهاية، وظلّت الدولةُ الإسلاميةُ هي الدولة الأولى في العالم طوال هذه المدة، حتى جاءت الحروب الصليبية بقيادة الدول الأوروبية مستغلةً ما آل إليه نظام الحكم في الدولة الإسلامية من تفككٍ في الولايات عن جسم الدولة، واستقلال الولاة بأهم شؤون الحكم الداخلي من جيش ومالية وسلطان وغير ذلك، فجرأت الحملات الصليبية على المسلمين التي استمرت مدة قرن تقريباً، وفي هذه الحرب هُزم المسلمون وخسرت الدولة الإسلامية الحربَ لأول مرة في تاريخها واحتُلت أجزاء من أراضيها.



ورغم ما عاناه المسلمون من الذُّل والانكسار والهوان في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) إلا أنهم في أواخره استأنفت الأمةُ الإسلامية الفتوحات واستمرت الحروب، وتوالت المعارك، وكان النصرُ فيها دائماً للمسلمين، فإنهم وإن كُسروا في بعض المعارك فقد كانوا يكسبون الحروب وينتصرون فيها، ويفتحون البلدان، وكانت الدولة الإسلامية هي الدولة الأولى في العالم، واستمرت كذلك مدة أربع قرون أخرى، أي حتى منتصف القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، إلى أن ظهر الانقلاب الصناعي في أوروبا بشكل بارز ومؤثر في قوى الدول، ووقف المسلمون أمامه حيارى، فتغير ميزان القوى في العالم، فبدأت الدولة الإسلامية تنزل عن مرتبة الدولة الأولى في العالم، روُيداً رُويداً، إلى أن أصبحت مطمع الطامعين، فأخذت تجلو عن البلاد التي فتحتها، والبلاد التي كانت خاضعة لسلطانها، وأخذت الدولُ الكافرةُ تَغتصب منها بلاد الإسلام قطعة قطعة، فبدأ الجزر الإسلامي بعد ذلك المد، وحينئذ بدأت الدول الأوروبية تفكر في إزالة الدولة الإسلامية من الوجود الدولي، وإزالة الإسلام كله من معترك الحياة، ومن العلاقات بين الناس، أي بدأوا يفكرون في حروب صليبية ثانية، ولكن لا كالحروب الصليبية الأولى غزواً عسكرياً يهزمون به المسلمين ويَدْحَرون الدولة الإسلامية، بل في حرب صليبية أعمق وأفظع يقتلعون بها جذور الدولة الإسلامية من أساسها حتى لا يبقى لها أَثَر، ولا يبقى منها جذر واحد ينبت، ويقتلعون الإسلام من نفوس المسلمين حتى لا يبقى منه سوى طقوس كَهنوتيّة، وشعائر روحية .



وبذلك بدأ تآمر الدول الأوروبية على الدولة الإسلامية، ومع اختلاف الكفار على اقتسام بلاد المسلمين لكنهم اتفقوا على القضاء على الإسلام، وقد سلكوا لذلك عدة طرق: فقد أثاروا في البلدان النعرة القومية، والنزعة الاستقلالية، وحركوا أهل البلاد على الدولة الإسلامية، وأخذوا يمدونهم بالسلاح والمال للثورة عليها، كي يوجدوا في البلاد فراغاً سياسياً ليقوموا هم بملئه كما يشاؤون ، ووقفوا وراء الستار يُوجِدون في البلاد القلقَ وعدم الاستقرار السياسي، ليظهر العجز عن القيام بسياسة البلاد حتى يحصل الفراغ السياسي.



وذلك أن الفراغ يعني عدم القدرة على العمل وعدم القدرة على الثبات، أي أن هناك قوة، ولكن هذه القوة لا تظهر بالمظهر اللائق بها وبالقدرة المناسبة لها، ثم دفعوا الناسَ للقيام بالأعمال السياسية التي تُوجِد عدم التناسق، وتُوجِد البلبلة، وبالفعل صار الناس يلمسون عجز الدولة الإسلامية عن القيام بأعباء الحكم.



وهكذا تم هدم الخلافة وتم تدميرها تدميراً تاماً، وتدمير الإسلام كدستور دولة، وتشريع أمة، ونظام حياة، على أيدي الإنجليز باستخدامهم عميلهم وأجيرهم الخائن مصطفى كمال وغيره من خونة العرب والترك، ولذلك فإن المخلصين الواعين حين يقولون: "إن الإنجليز رأس الكفر بين الدول الكافرة كلها"، يعنون ما تعنيه هذه الكلمة بكل معنى من معانيها، فهم رأس الكفر حقيقة، وهم أعدى أعداء الإسلام على الإطلاق، ويجب على المسلمين أن يُرضِعوا أولادَهم مع اللبن بُغضَ الإنجليز، والانتقامَ منهم. وقد تم للإنجليز القضاء على الخلافة وعلى الإسلام بواسطة مصطفى كمال رغم أنوف المسلمين في جميع أنحاء الأرض بوجهٍ عام، ورغم أنف المسلمين في تركيا بوجهٍ خاص، وبذلك غاض الحكمُ بما أنزل الله من جميع بقاع الأرض، وظلَّ الحكمُ بغير ما أنزل الله، ظلَّ حكم الكفر، ظلَّ حكم الطاغوت وحده هو الذي يتحكم في الناس جميعاً، ويُطبق في جميع العالم إلى الآن.



وهنا يتساءل المرء: أبهذه السهولة يطيح الكفار بالخلافة، ويمحون الإسلام من الوجود السياسي، والمسلمون مئات الملايين، ولا يذبون عن دينهم، ولا عن وجودهم السياسي؟!



والجواب على هذا: نعم، بهذه السهولة أطاح الكفار بالخلافة، ومحوا الإسلام من الوجود السياسي، ولم يدافع المسلمون عن ذلك، حتى ولم يضربوا ضربة المغلوب إذ يترك ساحة النزال، والسبب في حدوث مثل هذا هو أن القضايا المصيرية التي تُحتِّم إجراءات الحياة أو الموت لم تكن مدركةً من الأمة حين حصل هذا الخطب الجلل، وبالتالي لم تكن مسيطرة على النفوس والأجواء، ولذلك نزلت بالأمة هذه الضربة المميتة دون أن تحاول الأمة ردها حتى بضربة أخيرة كما يفعل المغلوب قبل أن يتقهقر من ميدان المعركة، لأنها لم تكن تعتبر ما حدث قضية مصيرية فيها فناؤها أو بقاؤها، ولذلك لم تول هذه الكارثة التي نزلت بساحتها من الأهمية ما توليه للقضايا التي يتوقف عليها مصيرها، لذلك لم تتخذ تجاهها إجراءات الحياة أو الموت، وبذلك تمكن الكفار من الإطاحة بالخلافة، ومن إزالة نظام الإسلام من الوجود.



إنّ واقعَ المسلمين اليوم يلمسه كل مسلم، فلا يحتاج إلى شرح، ولا يتطلب أيّ بيان، وهم اليوم في محنةٍ ما بعدها محنة، وفي بلاءٍ ما بعده بلاء؛ فبلادهم تُحكم بأنظمة الكفر، وهي مجزّأة إلى أكثر من أربعين كياناً، بين دولة وإمارة وسلطنة، فهي أضعف من أن تقف في وجه الكفار.



وإن العلاج الناجع لهم إنما هو إدراكهم لقضاياهم المصيرية، واتخاذهم إجراء الحياة أو الموت تجاه كل قضية مصيرية، لذلك كانت قضية كل قطر من أقطار المسلمين هي تحويله إلى دار إسلام، وتوحيده مع غيره من بلاد الإسلام، وهذه القضية قضية مصيرية، بل هي جماع القضايا المصيرية كلها، فكان لا بد أن يكون الإجراء الذي يتخذ تجاهها إجراء حياة أو موت.



غير أن هذه القضية المصيرية: قضية تحويل البلاد إلى دار إسلام، وتوحيدها مع غيرها من بلاد الإسلام، هي هدف يُسعى لتحقيقه، والطريقة التي تُتخذ لتحقيق هذا الهدف إنما هي إقامة الخلافة وإعادتها إلى الوجود، ولهذا كانت قضية المسلمين التي تواجههم الآن هي إقامة الخلافة نظاماً للحكم، ليتحقق بإقامتها تحويل البلاد إلى دار الإسلام، وبالتالي توحيدها مع غيرها من بلاد الإسلام، وما لم يحصل هذا الإدراك، ويكن إدراكاً واضحاً يسيطر على النفوس والأجواء، فسيظل المسلمون في انخفاض وتقهقر دائمين، ولن تقوم لهم بين الأمم قائمة.



ومن هنا كان لزاماً على المسلمين أن يتبينوا قضيتهم المصيرية، وأن يأخذ إدراكُهم لهذه القضية سبيلَه إلى القلوب والنفوس والأجواء العامة حتى يكون إدراكاً دافعاً أربابَه للقيام بما تستوجبه القضايا المصيرية من إجراء الحياة أو الموت بثباتٍ لا يزلزل، وحماسة لا تنضب.


{وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا}



كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير/ ولاية الأردن:

الأستاذ عامر صادق.


     
13 من رجب 1441
الموافق  2020/03/08م