15 من شوال 1441    الموافق   Jun 6, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم




 


همسات

توجيهات الإسلام للوقاية من الأمراض
تحتاج لدولة الخلافة الراشدة لتطبيقها

 

 


قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 6/3/2020م بعنوان (توجيهات الإسلام للوقاية من الأمراض والأوبئة)، ولنا وقفات مع هذه الخطبة.

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

 

كعادة وزارة الأوقاف في نظرتها للإسلام وكأنه شأن فردي، تُورد من الآيات والأحاديث ما يصلح به شأن الفرد وتتغاضى عن مسؤولية الدولة في رعاية شؤون الأمة في كل جوانبها، ومنها الرعاية الصحية الشاملة والمستدامة، وليس بالملمّات أو الجائحات فقط، كمناسبة انتشار فيروس كورونا وهو مناسبة عنوان الخطبة لهذه الجمعة، ثم تعود أمور الرعاية الصحية إلى سابق عهدها البائس، وهكذا تعامل الدولة في رعايتها لشؤون رعيّتها، تَعاملَ المناسبات أو الفزعات، وكأن الوقاية والرعاية والعلاج موسمية وليست من الحاجات الأساسية التي كفلها الإسلام للجماعة والفرد وجعل مسؤوليتها بيد الحاكم.

 

لقد أوجب الإسلام على الدولة تحقيق إشباع الحاجات الأساسية للرعية، ‎ومن ضمنها التطبيب، فتؤمّن الدولة التطبيبَ للجميع، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين موظف وغير موظف،‎ وتدفع جميع النفقات المترتبة على ذلك من بيت المال أي من خزينتها، قال رسول الله ﷺ: «الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته» (أخرجه أحمد). والطب من المصالح والمرافق التي لا يستغني عنها الناس، فهو من الضروريات، قال عليه الصلاة والسلام: «‏من أصبح منكم معافى في جسده آمنًا في ‏سربه ‌‏عنده قوت يومه فكأنما‏ ‏حيزت‏ ‏له الدنيا» (ابن ماجه)، فقد جعل الرسول ﷺ الصحة حاجة، على أن عدم توفير الطب لمجموعة الناس يؤدي إلى الضرر، وإزالة الضرر واجبة على الدولة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر وضرار» (الموطأ). فمن هذه الناحية أيضاً كان التطبيب واجباً على الدولة. وفوق هذا فإن الرسول ﷺ أُهدي إليه طبيب فجعله للمسلمين، فكون الرسول جاءت الهدية له ولم يتصرف بها ولم يأخذها بل جعلها للمسلمين، دليل على أن هذه الهدية مما هو لعامة المسلمين وليست له.

 

وتُوَفِّرُ الدولةُ الرعايةَ الصحيةَ مجانًا لأفرادِ الرعية بِغَضِّ النَّظر عن كَوْنِهِم أغنياءَ يملكون نفقَةَ التطبيبِ أو فقراءَ لا يملكونها، لأَنَّ الحفاظَ على الصحةِ حاجَةٌ أساسيَّةٌ لِكُلِّ الناسِ، غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ، ولا يُنْظَرُ إلى عِبْءِ مثلِ هذهِ الرعايةِ الصحيةِ الشاملةِ والمجانيةِ على خزينةِ الدولةِ. فَلا يجوزُ أَنْ تُقَيَّدَ الرعايةُ بقُيودٍ لمْ يَرِدْ بها الشَّرْعُ، كَتَغْطِيَةِ حَدٍّ مُعَيَّنٍ مِنَ النفقاتِ الصحيةِ يجب على الفردِ إِكْمالَ ما زادَ عنها، أو شمولِ بعضِ الأدويةِ والخدماتِ الضروريةِ في الرعايةِ الصحيةِ المجانيةِ دونَ بعضٍ. بل يُنْظَرُ إلى المشكلةِ الصحيةِ كمشكلةٍ إنسانيةٍ، لا كمشكلةٍ اقتصاديةٍ، فيكونُ الهدفُ هوَ توفيرُ الرعايةِ الصحيةِ للرعيَّةِ على أَحْسَنِ وَجْهٍ وَأَكْمَلِهِ، ولا يكونُ الهدفُ التوفيرَ على الدولةِ أو الاقتصادَ في المواردِ.


ولقد ابتٌلينا في هذه الدولة -كما في كل بلاد المسلمين- بحضارة من أسوأ ما تفتقت عنه عقول البشر القاصرة، حضارةٌ فصلت الدين عن الحياة، وتغاضت عن قيم الأخلاق والإنسانية فضلاً عن القيمة الروحية، ولهثت وراء المادة، ورفعت راية الرأسمالية فوق رقاب الضعفاء، فاستعبدت الناس، ولم يَسلَم الطب من وحل الرأسمالية، ولم ينجُ من أنظمتها وطريقة عيشها، فقد ظهر الفساد في كل نواحي الطب تقريباً، في نظام التأمين الصحي وشركاته، في شركات الأدوية وأبحاثها، في الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، وكما في كل مكان دخلته الرأسمالية، لا بقاء ولا حياة للضعيف، ولا قيمة إلا للمال.

 

والوقايةُ منِ الأمراضِ خيرٌ منْ علاجِها، وحفظُ الصحةِ ابتداءً خيرٌ منْ محاولةِ استعادَتِها بعدَ زَوالِها، ولذلكَ تُرَكِّزُ الدولةُ الإسلاميةُ على الوقايةِ الصحيةِ، وَتُقَدِّمُ المشاريعَ التي منْ شأنها صَوْنُ الصحةِ على غيرِها منَ المشاريعِ العِلاجِيَّةِ، ونذكرُ أيضًا في مجالِ الأَمْرِ بالوقايةِ، الحديثَ المتفقَ عليهِ، حيثُ قالَ النبيُّ ﷺ "مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لاَ يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا". وكذلكَ نَهْيُهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ عنِ العدوى، فَهُوَ في الواقعِ أَمْرٌ بالوقايةِ، لأنَّ العدوى مما يحصلُ بهِ المرضُ عادةً، فقدْ روى البخاريُّ عنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ الرسولَ ﷺ قال: "لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"، وفي صحيحِ البخاريِّ أيضًا عنْهُ‏ ﷺ أنَّهُ قالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا".

 

ومن أبواب الوقاية الحجر الصحي منَ الأمراضِ ما هُوَ مُعْدٍ وذو خطورةٍ عاليةٍ، وَلِمَنْعِ انتشارِ مثلِ هذهِ الأمراضِ يجب أحيانًا عَزْلُ المريضِ المُصَابِ تمامًا، أوِ اتخاذُ إجراءاتٍ وقائيةٍ كَلِبْسِ الكَمَّاماتِ حينَ مُخالَطَتِهِ، حتى لا يتعرضَ الأصحاءُ لما يَحْمِلُهُ المريضُ منْ كائناتٍ دقيقةٍ مُعْدِيَةٍ. وإذا قرَّرَ الأطباءُ أنَّ مريضًا مُعَيَّنًا يُشَكِّلُ خطرًا ومصدرًا لنقلِ العدوى فإنَّ على الدولةِ أنْ تقومَ بعزلِ ذلكَ المريضِ عنِ الناسِ في بيتِهِ أوْ في المُسْتَشْفَى إِنِ احتاجَ إلى علاجٍ ومُتابعةٍ، أو تُجْبِرَهُ على اتخاذِ الإجراءاتِ الوقائيةِ اللازمةِ إنْ لمْ يَتَطَلَّبِ الأمرُ عزلَهُ تمامًا عنِ الناسِ، لأنَّ في خروجِهِ ومخالطتِهِ للناسِ ضررًا عليهِمْ، وذلكَ لأنَّ الإمامَ راعٍ وهوَ مسؤولٌ عنْ رعيتِهِ، ولأنَّ القاعدةَ الشرعيةَ "لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ" توجِبُ على الإمامِ إِزالَةَ الضررِ عنْ رعيتِهِ. غيرَ أنَّ على الإمامِ أنْ يتكفَّلَ بالإنفاقِ على المريضِ المحجورِ إنْ لمْ يكنْ يملِكُ كفايتَهُ منَ المالِ لحبسِهِ عنِ العملِ والخروجِ.

 

أما بالنسبة للعلاج فقد أَمَرَ الرَّسولُ ﷺ المسلمينَ بالتَّداوي على وجهِ النَّدْبِ، وأَعْلَمَهُمْ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى ما أنزلَ داءً إلا وأنزلَ لهُ شفاءً وعلاجًا، سواء توصَّلَ الإنسانُ إلى هذا العلاجِ أمْ لمْ يَصِلْ بعدُ إليهِ، وإذا لاءَمَ الدواءُ الداءَ بَرِئَ المريضُ بإذْنِ اللهِ، وفي هذا حَثٌّ للإنسانِ على السَّعْيِ للتداوي وتحصيلِ البُرْءِ بإذنهِ سبحانه وتعالى الذي خلقَ في الدواءِ خاصيةَ الشفاءِ. قالَ ﷺ فيما رواهُ مسلمٌ في صحيحِهِ: (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)، وفي حديثِ أسامةَ بنِ شريكٍ رَفَعَهُ: (تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً، إِلا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ).

 

وتكونُ الرعايةُ الصحيةُ في الدولةِ الإسلاميةِ مجانيةً وشاملةً منْ قِبَلِ الدولةِ، وعلى الدولةِ أنْ تُوَفِّرَ كلَّ ما يلزمُ منْ معدَّاتٍ وخدماتٍ صحيةٍ للمرضى، ويقومُ النظامُ الإداريُّ للرعايةِ الصحيةِ في الدولةِ الإسلاميةِ على البساطةِ والإسراعِ في تقديمِ الخدمةِ الصحيةِ والعلاجِ، كما يقومُ على الكفايةِ فيمنْ يَتَوَلَّوْنَ الإدارَةَ. وهذا مأخوذٌ منْ واقعِ إنجازِ المصالحِ بشكلٍ عامٍّ.


وبالنسبةِ للمصالحِ الصحيةِ بشكلٍ خاصٍّ، فالسرعةُ والبساطةُ والبُعدُ عنِ التعقيدِ في المعاملاتِ الإداريةِ أَوْلى وَأَهَمُّ، إذْ إنَّ المرضَ حاجةٌ مُلِحَّةٌ قدْ يُؤَدِّي تأخيرُ علاجِهِ إلى تَفَاقُمِهِ وزيادةِ الضررِ الناتجِ عنْهُ، ثمَّ إنَّ المريضَ لا تُطِيقُ نفسُهُ المماطلةَ والانتظارَ وتعقيداتِ المعاملاتِ. ومما يُقَلِّلُ منَ التعقيداتِ والمعاملاتِ الإداريةِ في إدارةِ الرعايةِ الصحيةِ توحيدُ كافةِ الخدماتِ والمنشآتِ الصحيةِ في الدولةِ الإسلاميةِ في جهازٍ واحدٍ.


ولكم في نظام الرعاية الصحية الإداري الذي تديره الدولة من فساد، وإهدار للمال العام، وتشتت في الجهود، وارتباك في معالجة حتى مشكلة صحية واحدة. فالرعاية الصحية من وقايةٍ وعلاجٍ وصحةٍ عامةٍ وأبحاث وأدوية وغذاء تقوم عليها عدة جهات لا تنسيق بينها، فهناك وزارة الصحة والخدمات الطبية والجامعات والقطاع الخاص، وما الارتجال في اتخاذ القرارات للتعامل مع الوقاية من الإصابة بفيروس كورونا إلا دليل على عدم الاستعداد لمثل هذه الرعاية الصحية، من تبديل مكان الحجر الصحي إلى تبديل الناطق الرسمي للمرض، إلى غير ذلك.

 

أيها المسلمون...


إنكم في هذه الأيام وأنتم تمرون بذكرى هدم الخلافة، وأنتم تعانون من الضنك والويلات التي أذاقتكم إياها الأنظمة الرأسمالية الجشعة، لحريٌ بكم أن تجدّوا وتعملوا من أجل عودة دولة الرعاية الحقيقية، دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فتنالوا بعودتها خيري الدنيا والآخرة وتفوزوا برضا الله عز وجل.


{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}

 

 

 

     
10 من رجب 1441
الموافق  2020/03/05م