5 من صـفر 1440    الموافق   Oct 15, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




آلية تنصيب الخليفة.. قراءة حزب التحرير

في عدد مجلة الجزيرة نت
----------------------------------

آلية تنصيب الخليفة.. قراءة حزب التحرير

 

دولة الخلافة هي الكيان السياسي التنفيذي لتطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها ولحمل دعوته رسالة إلى العالم بالدعوة والجهاد، وهي الطريقة الوحيدة التي وضعها الإسلام لتطبيق أنظمته وأحكامه العامة في الحياة والمجتمع وهي قوام وجود الإسلام في الحياة لذلك هي دائمية وليست مؤقتة.

والخليفة هو رأس هذا الكيان وهو الذي ينوب عن الامة في الحكم والسلطان وفي تنفيذ الشرع، وذلك لأن الإسلام قد جعل الحكم والسلطان للأمة تنيب فيه من يقوم به بالنيابة عنها.
وبما أن الخليفة إنما ينصبه المسلمون نائبا عن الأمة في الحكم والسلطان وفي تنفيذ أحكام الشرع لذلك فإنه لا يكون خليفة إلا إذا بايعته الأمة فببيعتها له بالخلافة جعلته نائبا عنها وإنعقاد الخلافة له بهذه البيعة أعطاه السلطان وأوجب على الأمة طاعته.
ولا يكون من يلي أمر المسلمين خليفة إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد في الامة بيعة يتحقق فيها رضا المسلمين بأي أمارة من أمارات التحقق لتصبح بيعة شرعية سواء كانت هذه الأمارات كون المبايعين أكثر أهل الحل والعقد او أكثر الممثلين للمسلمين أو بسكوت المسلمين عن بيعتهم له أم مسارعتهم بالطاعة بناء على هذه البيعة أم بأي وسيلة من الوسائل ما دام متوفرا لهم التمكين التام من إبداء رأيهم.
وقد قال عمر رضي الله عنه في خطبته المشهورة والصحابة شهود: (وَإِنَّهُ لَا خِلَافَةَ إِلَّا عَنْ مَشُورَةٍ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ، لَا يُؤَمَّرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا)، وذلك لان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون معنى اختيار الخليفة ومن له السلطان لأن النبي ﷺ قد جعل اختيار الخليفة حقا للمسلمين فقال ﷺ (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) وقال (من بايَعَ إماماً فأعطاهُ صَفقَة يدِهِ وثمرةَ قَلْبِه، فليطِعْهُ ما استطاعَ، فإن جاء آخرُ يُنازِعهُ فاضرِبوا رقبةَ الآخرِ) فجعل الخلافة تثبت بالبيعة وجعل البيعة للمسلمين عامة، فلا خلافة من غير بيعة يتحقق بها رضا المسلمين أصحاب السلطان.

 

هذا بخصوص تنصيب الخليفة أما بخصوص قيام كيان الخلافة فقد حدد الشرع الطريقة الشرعية لإقامة الخلافة ككيان.

 

فقد سار الرسول ﷺ منذ بدء الدعوة إلى الإسلام، وحتى هجرته إلى المدينة المنورة، على نهج محدد وطريقة ثابتة، وهي ظاهرة وواضحة في سيرته العطرة حيث يظهر فيها قيامه ﷺ بمجموعة أعمال كان بها قيام الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، فكان ﷺ يطلب النصرة من أصحاب القوة والمنعة الذين يشكلون مقومات دولة حسب واقع المنطقة حولهم، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعمد إلى القبائل القوية فيدعوها إلى الإسلام ويطلب نصرتها كما فعل صلى الله عليه وسلم بطلب نصرة ثقيف وبني عامر وبني شيبان والأنصار في المدينة، وكان يستوثق من واقع من يطلب منهم النصرة من حيث القوة والمنعة والاستعداد للقيام بأعباء الدولة، وأما القبائل الصغيرة فيكتفي صلى الله عليه وسلم بدعوتها للإسلام... واستمر صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر رغم الصعوبات والمشاق التي كان يلاقيها صلى الله عليه وسلم ، وتكرار الأمر الذي فيه مشقة يدل شرعاً على أنه فرض كما في الأصول...

 

وهكذا استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب النصرة من أهل القوة والمنعة، فقبيلة تدمي قدميه، وقبيلة تصده، وقبيلة تشترط عليه صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك يستمر الرسول صلى الله عليه وسلم ثابتاً على ما أوحى الله إليه دون أن يغير تلك الطريقة إلى طريقة أخرى كأن يأمر أصحابه بقتال أهل مكة، أو قتال بعض القبائل ليقيم الدولة بين ظهرانيهم، أو قهر ضعاف القبائل ليقيم فيهم سلطانه، على الرغم من أن صحابته كانوا أبطالاً لا يخشون إلا الله، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بذلك، بل استمر في طلب النصرة من أهل القوة والمنعة لأخذ السلطان بالرضا والاختيار ممن يملك السلطان حتى يسَّر الله سبحانه الأنصار إليه فبايعوه بيعة العقبة الثانية، بعد أن كان مصعب رضي الله عنه قد نجح في مهمته التي كلفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، فبالإضافة إلى توفيق الله سبحانه له برجال من أهل القوة ينصرونه، فإنه رضي الله عنه قد أدخل بإذن الله الإسلامَ إلى بيوت المدينة وأوجد فيها رأياً عاماً للإسلام، فتعانق الرأيُ العام مع بيعة الأنصار، ومن ثم أقام الرسول صلى الله عليه وسلم الدولة في المدينة ببيعةٍ نقية صافية، واستقبال حار لرسول الله ﷺ من أهل المدينة المنورة، ومما يدل اوضح دليل على هذا المعنى قوله ﷺ للأنصار (أخرجوا إلي منكم اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم) وقال للنقباء (أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء)، فلم تكن البيعة التي أخذها النبي ﷺ من الانصار بيعة من فئة تملك قوة وتستطيع أن تقهر الناس، وإنما هي بيعة ممن يمثلون قبائلهم تمثيلا حقيقيا، فكانت البيعة عن رضا من أهل المدينة بكفالة هؤلاء النفر.

 

هذه هي الطريقة الشرعية لإقامة الدولة، والأصل أن تُتَّبع، فالأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي، فالمسلم إذا أراد معرفة كيف يصلي فإنه يدرس أدلة الصلاة، وإذا أراد أن يجاهد يدرس أدلة الجهاد، وإذا أراد أن يقيم الدولة، فعليه أن يدرس أدلة قيامها من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقة لإقامة الدولة إلا المبينة في سيرته صلى الله عليه وسلم ، وفيها دعوة أهل القوة والمنعة الذين يشكلون مقومات دولة حسب واقع المنطقة حولهم، دعوتهم إلى الإسلام وطلب نصرتهم وبيعتهم بالرضا والاختيار بعد أن يكون قد أوجد عندهم وفي منطقتهم رأياً عاماً منبثقاً عن وعي عام...
وهكذا فإن الطريقة الشرعية لإقامة الخلافة محددة في الإسلام تحديداً بيِّناً وهذا ما لم يلتزم به تنظيم الدولة وكانوا بعيدين عن اتباعه
أما الامور التي يجب أن تتوفر في القطر أو الإقليم الذي يريد أهله مبايعة خليفة فهي أربعة أمور

 

أولا- أن يكون سلطان ذلك القطر سلطانا ذاتيا يستند إلى المسلمين وحدهم لا إلى دولة كافرة أو نفوذ كفر. وهذا يعني بالضرورة ان يكون لذلك القطر سلطان لا ان يكونوا لا يملكون سلطانا أصلا، او سلطانهم منقوص.
ثانيا- أن يكون أمان المسلمين في ذلك القطر بأمان الإسلام لا بأمان الكفر أي أن تكون حمايته من الداخل والخارج حماية إسلام من قوة المسلمين بإعتبارها قوة إسلامية بحته
ثالثا-أن يبدأ حالا بمباشرة تطبيق الإسلام كاملا تطبيقا إنقلابيا شاملا وأن يكون متلبسا بحمل الدعوة الإسلامية
رابعا - أن يكون الخليفة المبايع مستكملا شروط إنعقاد الخلافة وإن لم يكن مستوفيا شروط الأفضلية لأن العبرة بشروط الإنعقاد والتي هي

1- أن يكون مسلما فلا تصح الخلافة لكافر مطلقا لأن الله تعالى يقول (ولن بجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)
2- أن يكون ذكرا فلا يجوز أن يكون الخليفة أنثى فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة)
3- أن يكون بالغا فلا بجوز أن يكون صبيا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ ...)
4- أن يكون عاقلا فلا يصح أن يكون مجنونا لقول رسول الله صلى الله عليه ةسلم (رفع القلم عن ثلاث ) وقال منها ( المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق)
5- أن يكون عدلا فلا يصح أن يكون فاسقا والعدالة شرط لازم لإنعقاد الخلافة ولإستمرارها لقوله تعالى ( وأشهدوا ذوي عدل منكم)

6- أن يكون حرا

7- أن يكون قادرا من أهل الكفاية هلى القيام بأعباء الخلافة لأن ذلك من مقتضى البيعة


أما قواعد الحكم في الإسلام التي لا يوجد الحكم إلا بها وإذا ذهب شيء منها ذهب الحكم الإسلامي أي سلطان الإسلام فهي

 

1- السيادة للشرع لا للأمة لقوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) فالخليفة يبايع من الأمة على كتاب الله وسنة رسوله لينفذ كتاب الله وسنة رسوله أي لينفذ الشرع لا لينفذ ما يريده الناس
2- السلطان للامة وذلك بجعل الشرع تنصب الخليفة من قبل الامة ومن جعل الخليفة لا يأخذ السلطان إلا بالبيعة عن عبادة بن الصامت قال ( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من بايع إماما .. فليطعه)

3- نصب خليفة واحد فرض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) وقوله ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)
4- حق تبني الاحكام للخليفة وحده، وذلك بإجماع الصحابة الذي أخذت منه القواعد الشرعية المشهورة (امر الإمام نافذ) ( أمر الإمام يرفع الخلاف)

 

ممدوح أبو سوا قطيشات
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الأردن

 

المصدر : مجلة الجزيرة نت

 

     
07 من شوال 1436
الموافق  2014/08/04م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد