28 من جمادى الثانية 1441    الموافق   Feb 22, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

إقامةُ دولة الإسلام.. مسؤوليةٌ كبرى

تُقابل نعمة الانتماء لهذا الدين العظيم

 

قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 7/2/2020م بعنوان (المسؤولية تجاه الدين والأمة)، ولنا وقفات مع هذه الخطبة.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:


لقد كانت أحكام الشرع منظومةً من الحقوق والمسؤوليات والواجبات والضوابط، وحدودًا من الحلال والحرام، ومع أنها ثابتة لا تتغير لأن الناحية الإنسانية لا تتغير، إلا أنها تستوعب تطورات الحياة للإنسان ونشاطه، بل توفر له بيئة الانطلاق وإعمار الأرض، وتنظم كل ذلك التطور بما يخدم الإنسان الذي سخر الله له الكون، دون أن ينحدر في الظلم والفساد، وأي نظرة على معالم أنظمة الإسلام تؤكد المذكور وتعطي صورة عن هذا الشرع العظيم.


ولما كان هذا هو الإسلام، وهو رسالة للعالمين من رب العالمين لا بد وأن تصل للناس، ونظامًا يطبق عليهم لتصلح به دنياهم وأخراهم، كانت الدولة ضرورة لوجود الإسلام في هذه الحياة، بل هي الشكل الذي يوجد بها الإسلام فيؤدي دوره ويفعل فعله؛ لأن الإسلام بطبيعته سياسة وحكم، وبالضرورة حاكم ونظام حكم، وقد أمر الله عز وجل نبيه أن يحكم به (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ) (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ....)، وأمر المسلمين بطاعة الحاكم الذي يحكم بالإسلام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ...).

 

والإسلام لا يوجد كما ينبغي له دون وجود سلطان للإسلام، أي دون دولته، فهي الإطار الذي تؤدى فيه أحكام الإسلام، فتحد حدوده، وتفرض قوانينه، وتحمل دعوته، وتحمي بيضته، وترعى الشؤون بحسبه «إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ» (صحيح مسلم)، «فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (صحيح البخاري)، وقد جمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقام النبوة ورئاسة الدولة، وجمع لخيرة صحبه من بعده شرف الصحبة ورئاسة الدولة، وكانت سنة للأمة إلى يوم الدين في ضرورة الدولة، وأنها الشكل الذي أمر الله بإقامته وجوبًا، ليطبق فيه الإسلام، وليفعل فعله وينتج أثره، وليكون الحق الذي يعلو الباطل فيزهقه.

 

أيها المسلمون...

 

هذه هي طبيعة الإسلام وطبيعة أحكامه، أنها لا تطبق إلا بدولة، ولا تضمن من حيث التطبيق إلا بدولة، ولا يحافظ على الإسلام وعقيدته إلا بدولة، بل لا يكون وجوده مؤثرًا في حياة البشر من حيث هو عقيدة صحيحة وشريعة عادلة ورسالة حقة إلا بدولة؛ ولذلك أقام النبي صلى الله عليه وسلم دولة للإسلام وسلطانًا، وجاءت سنته مفصلة لأحكام نظام الحكم في الإسلام وشكله والذي تمثل في «الخلافة» وأحكامها.


لقد كانت الدولة هي الطريقة التي قررها الإسلام نفسه ليوجد بها في واقع الحياة، وعلى ذلك اتفقت كلمة علماء المسلمين وفقهائهم حتى قال ابن حزم رحمه الله «اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة، وجميع الخوارج -ما عدا النجدات منهم- على وجوب الإمامة وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل...»، ثم يبين السبب في اتفاق العلماء على وجوب إقامتها، فيقول: «لِيقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها الرسول صلى الله عليه وسلم»، ومثله ما قال ابن تيمية رحمه الله «إن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها» فالدولة في الإسلام هي الكيان الحاضن والحامي لدين الله.

 

أيها المسلمون...

 

إن لله سننًا ماضية، ومنها أن الأمة إذا لم تأخذ الكتاب بقوة، وتخلفت عن القيام بأمر دينها ونظام ربها؛ فإنها لا بد وأن تنتكس وتتخلف وتصل إلى أسفل دركات الانحطاط، وقد كان هذا ما حصل للأمة الإسلامية، إذ ضعفت في فهم إسلامها، واضطربت علاقتها برسالة نبيها، فقصرت في حملها، وتراخت في أخذ دينها، ولم تنتبه لتربص عدوها، فانقض عليها الكافر المستعمر، وهدم دولتها، فانفرطت هذه المنظومة التي تتكون من الرسالة والأمة والدولة، وكان الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد عن أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ، عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ، تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ).

 

وقد تولى أمر الأمة من بعد ذلك حكام يمثلون الاستعمار الذي نصبهم وفرضهم، ولا يمثلون أمتهم، وإذا كان أبرز ما حصل للمسلمين بعد هدم دولتهم وتسلط الاستعمار عليهم هو غياب نظامهم الذي هو الإسلام وتقسيم بلادهم إلى أجزاء، فإن دور هؤلاء الحكام كان هو الحرص على استمرار تقسيم البلاد، والحرص على إبعاد الإسلام عن أن يكون نظامًا يحكم، فكانت هذه أبرز وظائفهم، وقد صارت ماثلة للعيان بل وحتى للعميان. وإذا كان الإمام في الإسلام إنما هو ليحكم بالشرع؛ فإنهم - أي الحكام- قد عطلوا الشرع، وإذا كان الإمام جنة لرعيته أي درعًا؛ فإن هؤلاء قد كشفوا الأمة لكل سافل، ومكنوا منها كل قاتل. وإذا كان الإمام راعيًا وهو مسؤول عن رعيته؛ فإن هؤلاء ضيعوا الناس وأفقروهم. وإذا كان الإمام من أجل أن يحكم بين الناس بالعدل ويؤدي الأمانة ويجلب الأمن؛ فإن الحكام الحاليين قد خانوا الأمانات وبالغوا في الظلم، وأرعبوا الناس حتى باتوا هم مصدر الخوف.

 

وهكذا فإنه ليس حكم من أحكام الله يُعطل إلا وظهر خلل في حياة الناس، وليس هناك خلل إلا وخلفه حكم من أحكام الله معطل، فكيف إذا عطل حكم الشرع برمته، ولذلك ليس غريبًا ما يعانيه المسلمون اليوم بعد هدم الخلافة من بؤس وبأساء وفقر وفساد وتشرد وضياع.

 

أيها المسلمون...

 

إن الانتماء لهذا الدين العظيم هو نعمة من الله لا تعدلها نعمة، وشرف لا يدانيه شرف، ويقابل تلك النعمة العظمى، مسؤولية كبرى في العمل لهذا الدين الذي ننتمي إليه، والعمل على أن يوضع في المنزلة التي تنبغي له، دولةً وخلافةً وظهورًا على الدين كله، وكما أن العمل لدولة الإسلام مسؤولية كبرى فإنها أيضًا فرصة نادرة للمساهمة في صناعة التاريخ لهذه الحقبة الخاصة من تاريخ الإسلام، وفرصة كذلك لمن يتطلع ويرجو أن يكون من الفئة التي تستجلب نصر الله.


وإن الله سبحانه وتعالى وعد بنصر المؤمنين كما وعد بنصر أنبيائه المرسلين، ووعد بالنصر في الدنيا كما هو في الآخرة، فقال سبحانه وهو أصدق القائلين: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}، فشمروا عن سواعدكم للقيام بالمسؤولية الواجبة عليكم تجاه دينكم وتجاه أمتكم، وهلموا للعمل مع العاملين لإقامة دولة الإسلام، فتفوزوا بخيري الدنيا والآخرة.

 

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

 

والحمد لله رب العالمين.

 

 

     
12 من جمادى الثانية 1441
الموافق  2020/02/06م