3 من جمادى الثانية 1441    الموافق   Jan 28, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم




 

 

همسات

الفساد الحقيقي في النظام لا في الأفراد

ولا صلاح إلا بتطبيق نظام الإسلام

 

 

 

 

قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 27/12/2019م بعنوان (الإسلام يدعو للنزاهة ومحاربة الفساد)، ولنا وقفات مع هذه الخطبة.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:



أولاً: لا يختلف اثنان على مدى خطورة الفساد وأثره في الحياة فكراً وسلوكاً لا سيما وقد تعددت صوره وأنواعه وأشخاصه وقد استشرى حتى عم أركان الوجود، لذا كان لا بد من المهتمين والعاملين للنهضة وإحداث التغيير من سبر واقعه وبيان كيفية معالجته من خلال القاعدة الفكرية للأمة الإسلامية ألا وهي نظرة الإسلام عقيدة ونظاماً.


ولقد تعددت نظرة الباحثين إلى سبر واقعه لاختلاف نظرتهم. هل يشمل الفساد القاعدة الفكرية (الأفكار والمفاهيم عن الحياة) والمبادئ والعقائد؟ أم أن الفساد ناتج عن اختلال في السلوك البشري نتيجة التطبيق والإساءة في التطبيق مع التسليم بصحة المفاهيم والنظرة الكلية للوجود كلٌّ حسب نظرته وقاعدته في الحياة؟



ثانياً: إن الناظر في كتاب الله عز وجل يجده قد تطرق إلى مفهوم الفساد مبيناً واقعَه وتعددَ إشكاله حيث وردت كلمة (فسد) خمسون مرة في كتاب الله في إحدى وعشرين سورة قرآنية متحدثة عن فساد العقائد والمفاهيم والحكام والفساد المالي والإداري والاقتصادي والإفساد في الأرض.

و المتأمل في هذه الآيات التي ذكر فيها الفساد يجدها تشمل فساد المفاهيم والأفكار، دلالةً من القرآن الكريم على شمول فساد المبادئ أو صحتها ضمن مفهوم الفساد، وسنذكر هاهنا مثالين:


أولهما: قال تعالى في محكم التنزيل: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}، أي لو كان في الوجود آلهة إلا الله الخالق الواحد لفسد الوجود لما يترتب على هذا التعدد من فسادٍ في مفهوم الإله وصفاته ومحدودية كل إله ولعلا بعضهم على بعض من قصد المغلبة والحروب، وهذا لا يمكن حتى تصور وجوده، ومن هنا نجد أن القرآن الكريم قد ضرب فكرة تعدد الآلهة وفساد أثرها على الوجود، وإذا ثبت فساد أصل القاعدة الفكرية فلا شك في فساد كل تفاصيل الوجود من باب أولى، لذا كان على المهتمين بيان فساد الأصل وعدم الاقتصار على فساد الفروع إلا من باب التمثيل وبيان الآثار المترتبة على فساد الأصل.


ثانيهما: قوله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} والأهواء رغبات وميول لدى أصحابها لا تقوم على أساس مقنع للعقل .وهو فساد التشريع لمن له هوى في التشريع إذ الحق لا يلتقي مع الهوى، لأن المشرع قد تدفعه نفسه تبعاً لهواه إضافة إلى محدودية التفكير والتأثر في البيئة حيث يكون الحكم عرضةً للتناقض والاختلاف والتبديل والتغيير فلا يجوز أن يكون التشريع إلا لله، وهنا أيضا ضرب القرآن الكريم فكرة كون التشريع من غير الله وجعله هوى يترتب عليه فساد السماوات والأرض، ولذا لا ينبغي على المؤمنين بيان تفاصيل الـقوانين البشرية وعدم صلاحيتها للإنسان فقط بل يجب عليهم ضرب مفهوم التشريع من قبل البشر كفكرة ولا يبحث مدى ملاءمة القوانين للإنسان ثم ذكر بعض الأمثلة (من باب التمثيل) وبيان أثرها على فساد حياة الإنسان.


بل إن القرآن الكريم ذكر أن المفسدين (أصحاب الآراء والأفكار الفاسدة) لهم تعريفهم الخاص بالفساد ونتيجة لنظرتهم في الحياة، فتعريف الفساد عند القوم على خلاف ما عليه نظرتهم للحياة ولو كانت نظرتهم فاسدة، بل لو كانت هي أس الفساد، فهنا فرعون مدعي الإلوهية كما ذكر لنا القران الكريم عنه: {... مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} يخشى دعوة موسى - وهي الحق- ويتهمها بالفساد حيث قال الله تعالى عنه: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) وكذلك زعم قومه قائلين له كما ذكر القرآن عنهم: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ...}


و بناءً على ما ذُكر نجد أن القرآن الكريم قد أطلق الفساد على المفاهيم والأفكار(المبدأ، القاعدة الفكرية) ومنها هذه الآية التي فيها ادعاء فرعون للإلوهية و بيّنت استحالة تعدد الآلهة، وأن التشريع لا يكون إلا للخالق العظيم كما في الآية الأخرى. ونستطيع القول أن تعريف الفساد شمل -وهو الأصل- فساد الأفكار والمفاهيم والقاعدة الفكرية للحياة والتي إذا ثبت فسادها ثبت فساد الفروع من باب أولى، ولا يحق لنا أن ننظر إلى فساد الفروع فقط مع إغفال فساد الأصل أو أن نطالب بإصلاح بعض الفروع (القوانين والتشريعات) فقط لأن فاسد الأصل يلزم تغييره بأصل آخر ثبت صحته قطعاً، ولأن المطالبة ببعض الإصلاحات مع فساد الأصل هي في حقيقتها محافظة على أصل الفساد ودوران في فلك دائرة الفساد.



ثالثاً: إن مما لا شك فيه فساد النظرة الرأسمالية وقيام الدول في بلاد العالم الإسلامي على الفكر الرأسمالي الفاسد، لذلك كان الأصل بالمسلمين أن يعملوا على تغيير النظام الرأسمالي من جذوره وإيجاد القاعدة الفكرية الإسلامية الصحيحة حتماً وإعادة بناء المجتمعات على أساس الإسلام عقيدة ونظاماً بدل الاقتصار على محاربة بعض التشريعات والمناداة ببعض الإصلاحات، مع أنه (النظام الرأسمالي) فاسد الأصل والفرع بل امتلأت الأرض بفساده حتى عمت جميع تفاصيل الحياة.



فيا أيها المسلمون...

إن إصلاح بلاد المسلمين بل والبشرية جمعاء لا يكون إلا بالإسلام في عقيدته وشريعته، بجعل الولاء خالصاً لله ولرسوله والمؤمنين لا لأمريكا ولا لبريطانيا ولا لغيرهما من دول الكفر، وجعل نظام الحكم هو النظام الذي أنزله رب العالمين وطـبَّقه رسول الله ﷺ، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون موضع التطبيق، ولن يكون ذلك إلا بالعمل الجاد لإقامة نظام الخـلافة في بلاد المسلمين، التي تجمع المسلمين على صعيد واحد، تحت راية واحدة، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.

إن الإسلام، والإسلام وحده هو القادر على الإصلاح، هو القادر على إزالة الظلم والظلام وإحلال العدل والنور، إزهاقاً للشر ونشراً للخير في بلاد المسلمين وكل ربوع العالم.


{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ}


والحمد لله رب العالمين.


 

     
29 من ربيع الثاني 1441
الموافق  2019/12/26م