20 من ربيع الاول 1441    الموافق   Nov 17, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

الذكرى الغائبة في الثاني عشر من ربيع الأول

 

قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 8/11/2019م بعنوان (مولد النبي صلى الله عليه وسلم ميلاد أمة)، ولنا وقفات مع هذه الخطبة.

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

 

  • فلقد كان الثاني عشر من ربيع الأول يوماً عظيماً، ينوء بحمل تاريخ كبير من أمجاد هذه الأمة، يومٌ يحمل ينبوع وجودها، وسر أمجادها، ومبعث عزتها، وروح وحدتها.

كان يوماً ارتسم على شمسه الباب العظيم الذي دخلت منه الأمة التاريخ، ثم تبوأت عرشه، وقد كانت قبل ذلك ملقاة على هامشه، شاردة وراء سوره.

 

لقد كان الثاني عشر من بيع الأول يوم وصول النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة وإقامة صرح دولته، يقول ابن سعد في الطبقات: «قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة حين هاجر من مكة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، وهو المجتمَع عليه».

 

في هذا اليوم انتقلت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم من دور التثقيف ومن دور التفاعل مع الأمة إلى دور تطبيق أحكام الإسلام، انتقلت من دور الدعوة فحسب والصبر على الأذى في سبيلها إلى دور الحكم والسلطان والقوة التي تحمي هذه الدعوة.


في هذا اليوم وُجد الإسلام على أرض الواقع، إذ لا قيمة لنظام في الدنيا ما لم تكن له دولة تطبقه، في هذا اليوم قامت أعظم دولة في التاريخ، بقيادة أعظم رجل في التاريخ، فأنشأت أرقى حضارة ومجتمع في التاريخ.


 

هذه الذكرى في هذا اليوم يتم السعي لتغييبها عن أذهان المسلمين، بإثارة الخلاف الفقهي حول جواز الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، فحريٌّ بالأمة الإسلامية في هذه الذكرى أن تُراجع حسابها مع نفسها، وتتخذ منها ما يُحفزها إلى العودة إلى دينها القويم، والتمسك بالكتاب الكريم، وما فيه من الهدى والرشاد والحكمة.

 

حريٌّ بالأمة الإسلامية أن تحرص على ما حرص عليه نبيها الكريم صلى الله عليه وسلم، فتعمل مع العاملين لإقامة الخلافة بكل جد وإخلاص.

 

  • ولقد وافق الثاني عشر من ربيع الأول يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً، قال ابن كثير: "روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن عفان، عن سعيد بن مينا، عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثامن عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات، وهذا هو المشهور عند الجمهور والله أعلم".

 

يصف المؤرخون والرواة يوم مولده صلى الله عليه سلم فيقولون: كان منعطفـاً تاريخياً حاسماً، لأنَّ ميلادَه صلى الله عليه وسلم ميلادُ أمة. لقد أتى على الجزيرة العربية في حينٍ من الدهر كانت فيه حال العرب يأباها كل ذي طبع سليم. ولندع شاهد عيان يصف حالهم آنذاك: فعندما هاجر المسلمون إلى الحبشة، استدعى النجاشي المسلمين، وسألهم عن سبب مخالفتهم دين قريش، فردَّ عليه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قائلاً:

 

«أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية وشرك، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده, ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه الحجارة والأوثان ....».

 

أيها المسلمون...

 

تمر علينا ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم وذكرى إقامة الدولة الإسلامية الأولى ولا زالت أحكام الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم معطلة وجيوش المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها رابضة في ثكناتها، لا تحرك ساكنـاً، فإلى متى سيظل حالنا على ما هو عليه؟!


لقد آل حال المسلمين إلى أشد مما كان عليه العرب قبل الإسلام... حكمٌ بغير ما أنزل الله! وتعطيلٌ لأحكام الله! وإيقافٌ للجهاد في سبيل الله! وصدٌ وإعراضٌ عن دعوة الله! واحتلالٌ للبلاد! وهتكٌ للأعراض! وقتلٌ للنساء والشيوخ والأطفال! وهدمٌ للبيوت فوق رؤوس ساكنيها! وهدمٌ وحرقٌ للمساجد! واستباحةٌ للمقدسات! وطعنٌ في الإسلام! واعتداءٌ على المسلمين في كل مكان!

 

فإحياء ذكرى المولد النبوي لا تكون إلا بالدعوة لتطبيق الرسالة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 31-32]. فالذي يحب الله ورسوله لا يكفيه أن يدَّعي ذلك بلسانه، أو أن يقتصر على الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، بل لا بد لتحقيق محبة الله ورسوله أن يتبع رسول الله بالسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة والالتزام بهديه بإقامة دينه وتحقيق شرعه في واقع الحياة، بإقامة الدولة الإسلامية التي تحكم وتنظم شؤون حياة الناس بالشريعة الإسلامية فعلاً وحصرا.

 

ولقد بشّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيام الدول الإسلامية بعد الحكم الجبري، تكون كالدولة التي أقامها في المدينة المنورة، فيعظُم أمر المسلمين كما عَظُم من قبل، ويعود للإسلام عِزه ومجده، وما ذلك على الله بعزيز .

 

قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (تكونُ النُّبوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أنْ تكونَ، ثُمَّ يَرفَعُها إذا شاء أنْ يَرفَعَها، ثُمَّ تكونُ خِلافةٌ على مِنهاجِ النُّبوَّةِ، فتكونُ ما شاء اللهُ أنْ تكونَ، ثُمَّ يَرفَعُها إذا شاء اللهُ أنْ يَرفَعَها، ثُمَّ تكونُ مُلكًا عاضًّا، فيَكونُ ما شاء اللهُ أنْ يكونَ، ثُمَّ يَرفَعُها إذا شاء أنْ يَرفَعَها، ثُمَّ تكونُ مُلكًا جَبريَّةً، فتكونُ ما شاء اللهُ أنْ تكونَ، ثُمَّ يَرفَعُها إذا شاء أنْ يَرفَعَها، ثُمَّ تكونُ خِلافةٌ على مِنهاجِ نُبوَّةٍ، ثُمَّ سَكَتَ)

 

والحمد لله رب العالمين.

 

 

     
10 من ربيع الاول 1441
الموافق  2019/11/07م