20 من ربيع الاول 1441    الموافق   Nov 17, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
قصة أصحاب الفيل.. دروس وعبر.



قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 13/10/2019 بعنوان (إرهاصات النبوة وبشاراتها)، ولنا وقفات مع هذه الخطبة.

لقد أحاط اللهُ رسالةَ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعنايته وشملها برعايته، وجعل لها دلائل باهرة، وعلامات ظاهرة، فدلت على نبوته -صلى الله عليه وسلم- دلائل ربانية قبل أن يبعث، وكانت هذه الدلائل بشائر على مبعثه -صلى الله عليه وسلم-، وما حملته تلك البعثة من خير للبشرية جمعاء، وهداية لها إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وسنقف هنا مع حدث بارز كان من الإرهاصات على بعثة سيدنا محمد، وهو: قصة أصحاب الفيل وما يستفاد منها في أيامنا هذه، إذ بدأ الله سورة الفيل بقوله ألم تر لينبهنا على ما فيها من فوائد وعبر.

• تفاصيل ماحدث أن أبرهة الأشرم أقسم لَيَهْدِمَنَّ الكعبة التي يُصِرُّ العربُ على الحج إليها دون بيته القليس الذي بناه باليمن، فجهّز جيشا يتقدمه فيلٌ لِهدم الكعبة، ولكنه وجنودَه لا يعرفون الطريق إلى مكة فهم أحباش، فكانت الحاجةُ إلى دليل يرشدهم إلى الكعبة، ولم يرضَ بهذا العمل من بين عرب اليمن سوى أبو رغال، وتقدم أبرهة خلف دليله نحو بيت الله فلما وصل مع أبرهة إلى موضع يسمى المغمس قُرب عرفة ومزدلفة ومنى مات أبو رغال ودفن هناك، قال ابن إسحاق : "فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس ؛ فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك ، فرجمت قبره العرب ، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس"

ووصل جيش أبرهة لهدفه، ولم يكن لأهل مكة وزعيمهم عبد المطلب بن هاشم قِبَلٌ بصد الجيش، وحينها قال عبدالمطلب مقولته المشهورة: "أنا ربُ الإبل وللبيت ربٌ يحميه"، فأرسل الله على جيش أبرهة طيراً أبابيل، وذكر لنا هذه القصة في القرآن بعد ذلك فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾

• تالله إنَّ الفكر ليقف حائراً أمام هذا المشهد حين تُشخِّصه أمام ناظريك بكل أبعاده، فالعرب قبل الإسلام كان لديهم من القيم والمثل والأخلاق ما لا يوجد عند زعماء العرب اليوم...
فماذا لو عَرفَ أُولئك العرب الأوائل أن لدينا الآن العشرات إن لم يكن المئات من شخصية أبي رغال الذي جعلته العرب رمزاً للخيانة! والأدهى من ذلك والأَمَرّ، أن كل أبي رغالٍ عندنا اليوم يحتل فينا مكان الزعامة!
فإلى هؤلاء نقول... يا أحفاد أبي رِغال المخلصين، يا من تقودون الفيل الغربي الأرعن هذه الأيام، نعلم أنكم لن تترددوا حتى عن هدم الكعبة، فأنتم لا تتورعون عن قتل المسلمين وتعرفون أن حرمة دم المسلم عند الله أعظم من حرمة هدمها حجراً حجرا، ألم يقل لكم مشايخ دواوينكم ذلك؟!، ولكن "أبرهتكم" أمريكا وغربها الكافر معها ليسوا بحاجة إلى هدمها، فيكفيهم هدمها في نفوس الأمة بهدم ثقافتها ودينها بجهودكم المخلصة لها الخائنة لأمتكم. واعلموا أنه سيأتي اليوم الذي تُنبذون فيه ويرجمكم الناس على أفعالكم التي لا تمثل هذه الأمة الإسلامية.

• أما قول عبد المطلب "أنا ربُ الإبل وللبيت ربٌ يحميه"، فلا يصح لمسلم اليوم أن يتمسك به، فصحيحٌ أن للبيت رب يحميه، وللإسلام ربٌ ينصره، لكن هذا النصر لا بد أن يكون على أيدي المسلمين، فهم مكلفون بالعمل، لا أن يقفوا وينتظروا نصر الله عز وجل . فالله سبحانه وتعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} ويقول: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ...}، فالواجب علينا أن نتخذ الصف المناسب الذي نقف فيه، لا مع الخائنين، ولا مع المتخاذلين، وإنما مع العاملين لنصرة هذا الدين.

• لقد جاء نصر الله عز وجل لقريش حينها حماية وتوطئة للمكان الذي سيبعث فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن كثير: "هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشرِّ خيبة، وكانوا قوماً نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالاً مما كان عليه قريش من عبادة الأصنام، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه في ذلك العام وُلِدَ على أشهر الأقوال".

وقال ابن تيمية: "وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان، ودين النصارى خير من دينهم، فعُلِم بذلك أن هذه الآية لم تكن لأجل جيران البيت حينئذ، بل كانت لأجل البيت، أو لأجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي وُلِدَ في ذلك العام عند البيت، أو لمجموعهما، وأيّ ذلك كان، فهو من دلائل نبوته".

فيا أيها المسلمون... لقد تكفل الله عز وجل بحفظ هذا الدين بنفسه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} واحتفَّه بالنصر قبل أن يبعث رسوله به، وما إهلاكه لأصحاب الفيل إلا دليل على ذلك. فإن مرَّ المسلمون بمرحلة ضعف وهوان فلا تخشوا على الإسلام من الضياع ولا تشغلوا أنفسكم بموعد النصر، وإنما ابذلوا جهودكم في العمل لرفعة هذا الدين، فتكونوا من الذين أعز الله دينه على أيديهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون﴾

والحمد لله رب العالمي

     
03 من صـفر 1441
الموافق  2019/10/31م