20 من ربيع الاول 1441    الموافق   Nov 17, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
حرمةُ التجسسِ وتتبعِ عورات المسلمين
تتضمن حرمة وجود أجهزة أمنية تتجسس عليهم


قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 25/10/2019 بعنوان (حرمة إيذاء الآخرين بتتبع عوراتهم وانتهاك خصوصياتهم)،

ولنا وقفات مع هذه الخطبة:


أولاً: لقد حث الإسلام على ستر عورات المسلمين والذب عن أعراضهم، وحرّم إيذاءهم والاعتداء عليهم وتتبع عوراتهم، فنص على ذلك بنصوص كثيرة منها: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]، وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]، قال القرطبي في تفسير الآية: (وَمَعْنَى الْآيَة : خُذُوا مَا ظَهَرَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَات الْمُسْلِمِينَ , أَيْ لَا يَبْحَث أَحَدكُمْ عَنْ عَيْب أَخِيهِ حَتَّى يَطَّلِع عَلَيْهِ بَعْد أَنْ سَتَرَهُ اللَّه) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم «من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته، حتى يفضحه بها في بيته» رواه ابن ماجه، وقال صلى الله عليه وسلم:«يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ« رواه أحمد.


ثانياً: عند الحديث عن حرمة تتبع عورات المسلمين، لا بد من توضيح حكم وجود أجهزة أمنية في الدولة للتجسس على المسلمين.
فالناظر في الأدلة الشرعية يرى أن الإسلام حرّم التجسس على المسلمين، ومراقبتهم، وملاحقتهم، وتفحُّص أخبارهم السرية والخاصة. كما حرّم أن يكون المسلم جاسوساً على المسلمين، فقال تعالى: :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا...﴾ والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر مَن آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتّبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته» رواه أحمد من طريق أبي برزة الأسلمي، وقال: «إيّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً» رواه البخاري ومسلم من طريق أبي هريرة، نقل الحافظ ابن حجر عن القرطبي ما نصه : وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُرَاد بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَة الَّتِي لَا سَبَب لَهَا كَمَنْ يَتَّهِم رَجُلًا بِالْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا , وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله " وَلَا تَجَسَّسُوا " وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْص يَقَع لَهُ خَاطِر التُّهْمَة فَيُرِيد أَنْ يَتَحَقَّق فَيَتَجَسَّس وَيَبْحَث وَيَسْتَمِع , فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ , وَهَذَا الْحَدِيث يُوَافِق قَوْله تَعَالَى : " اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنّ , إِنَّ بَعْض الظَّنّ إِثْم , وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا " فَدَلَّ سِيَاق الْآيَة عَلَى الْأَمْر بِصَوْنِ عِرْض الْمُسْلِم غَايَة الصِّيَانَة لِتَقَدُّمِ النَّهْي عَنْ الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ , فَإِنْ قَالَ الظَّانّ أَبْحَثُ لِأَتَحَقَّق , قِيلَ لَهُ : " وَلَا تَجَسَّسُوا " فَإِنْ قَالَ : تَحَقَّقْت مِنْ غَيْر تَجَسُّس ، قِيلَ لَهُ : " وَلَا يَغْتَبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا " .ا.هـ.


فالآية والأحاديث تحرِّم على المسلمين أن يتجسسوا على المسلمين، كما تُحرِّم عليهم أن يتتبعوا عوراتهم، وتُهدِّدهم بأن من يتتبع عورات المسلمين فإن الله سيتتبع عوراته، ويفضحه. كما وردت أحاديث تنص على حرمة العمل في هذه الأجهزة للتجسس على المسلمين. فقد روى المِسْوَر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً فَإِنَّ اللهَ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ كُسِيَ ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ فَإِنَّ اللهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ،...» رواه أبو داود وأحمد.


فلا يستثنى من عموم الآية والأحاديث في حرمة التجسس سوى التجسس على الكفار الحربيين، سواء كانوا حربيين حقيقة، أو حكماً، فالتجسس عليهم ليس حراماً، بل هو واجب، وعلى الدولة الإسلامية أن تقوم به، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين إلى «نَخْلَة» بين مكة والطائف ليترصّد له أخبار قريش، ويعلم أخبارهم. والتجسس على العدو الكافر من الأمور التي لا يستغني عنها جيش المسلمين، ولا الدولة الإسلامية.


ثالثاً: لقد كان إيجاد أجهزة أمنية مهمتها التجسس في الدول القائمة في العالم اليوم أمراً طبيعياً، إذ أنها تعتمد على تنفيذ نظامها بقوة الجندي وصرامة القانون، أَما في الدولة الإسلامية فالنظام إنما يُنفِّذهُ الفرد المؤمن بدافع تقوى الله، وتنفّذه الدولة بشعور الجماعة بعدالته، وبتعاون الأمة مع الحاكم بالأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ، وبسلطانِ الدولة. فكان طبيعياً ألا تحتاج الدولة الإسلامية لأجهزة تعمل على التجسس على المسلمين، بسبب الأساس الذي تعتمده الدولة في تنفيذ نظامها.


فيا أيها المسلمون...
لن تسعد البشرية جمعاء، ولن تشعر بالأمان ولن تحافظ على حقوقها، إلا بتطبيقها النظام الإسلامي، بإقامة الخلافة الإسلامية التي بشر النبي صلى الله عليه وسلم بقيامها على أنقاض الحكم الجبري فقال: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).

والحمد لله رب العالمين.


     
25 من صـفر 1441
الموافق  2019/10/24م