20 من ربيع الاول 1441    الموافق   Nov 17, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات

ليس في الإسلام حرّيةٌ ولا استعباد، وإنما عبوديةٌ لرب العباد.



قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 18/10/2019 بعنوان (الحرية في الإسلام: مفهومها وضوابطها)، ولنا وقفات مع هذه الخطبة.


أولاً: إن مفهوم "الحريات" هو مفهوم رأسمالي غربي، انبثق عن عقيدة "فصل الدين عن الحياة"، فخرجوا بتلك الحريات الأربع، وهي: حرية العقيدة، وحرية الرأي، وحرية الملكية، والحرية الشخصية. وخلاصة معنى هذه الحريات عند أهله (الغرب) هو: التحرر من سلطة الرب في تسيير أعمال الناس وعلاقاتهم الدائمية.
ولذلك فإن الحديث عن "الحرية في الإسلام" هو كالحديث عن "الرأسمالية في الإسلام" وكالحديث عن "الاشتراكية في الإسلام" وكالحديث عن "الديمقراطية في الإسلام"، فكلها محاولات لاستيراد المفاهيم الغربية والعمل على أسلمتها وإضفاء الشرعية عليها، مع أنها بأصلها تتناقض مع الإسلام تناقضاً كلياً.


ثانياً: إن المسلمَ في الحياة مقيدٌ في كل شيءٍ بالإسلام وليس له حرياتٌ مطلقاً. فالعقيدةُ للمسلمِ مقيَّدةٌ بحدودِ الإسلامِ وليستْ مُطْلَقَةً. ولذلكَ يُعْتَبَرُ ارْتِدَادُهُ جريمةً كبرى يستحقُّ عليها القتلَ إنْ لمْ يرجعْ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (مَن بدَّل دِينَه فاقتلوه). والناحيةُ الشخصيَّةُ مقيَّدةٌ بنظامِ الإسلامِ، ولذلكَ كانَ الزِنَا جريمةً يُعاقَبُ عليْهَا، دونَ رَأْفَةٍ معَ التشهير: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) وكانَ شُرْبُ الخَمْرِ جريمةً يُعاقبُ عليها، وكانَ الاعْتِدَاءُ على آخَرِينَ جريمةً تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ هذا الاعتداءِ منْ قَذْفٍ أَوْ قتلٍ أوْ ما شابَهَ ذلك، والناحيةُ الاقتصاديَّةُ مقيَّدةٌ بالشَّرْعِ، وبالأسْبَابِ الَّتي أباحَ للفردِ التَمَلُّكَ بهَا، وبحَقِيقَةِ هذهِ المِلْكِيَّةِ الفرديةِ من أنَّهَا إِذْنُ الشَّارِعِ بالانْتِفَاعِ بالعَيْنِ، فليس للمسلم أن يستحل الربا والرشوة والقمار والرهان وما شابهها من المعاملات الباطلة والتي يُصرُّ عليها الغرب الكافر الذي يؤمن بالحرية ويدعو لها… ونحن منها براء.


ثالثاً: إن ما يُجسِّد واقع المسلمين اليوم من منعٍ لأبسط الحقوق والواجبات الشرعية، مثل طلب الرعاية من الحاكم، أو الشكوى من ظلم الحاكم، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لخّصه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمقولته المشهورة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!"
هذا الاستعباد الذي وصل إلى حد القتل والتشريد والمداهمات ورفض الشكوى، وكذلك التشريعات والقوانين الظالمة التي تجعل الحياة جحيمًا كما نرى الآن: ظلمٌ في كل مناحي الحياة، وذلك لأن أبرز أشكال الاستعباد هي التي تتحكم فينا؛ ألا وهو أن يُشرِّع لنا أشخاصٌ نظامَ حياتنا من عند أنفسهم، فهذا الاستعباد بهذا المفهوم حرام كما أن الحرية بمفهومها الغربي حرام!


رابعاً: كما أن للحرية الحرام مخرجٌ منها بما جعله الله سبحانه لنا من عبادته وحده دون سواه، فالمخرج من الاستعباد كذلك لا يكون إلا بالتحرير، ولا يوجد تحريرٌ حقيقيٌ يمكن أن نُسميه تحريراً إلا بالإسلام، وهذا هو الذي عبَّر عنه ربعي بن عامر رضي الله عنه رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس، وهو يسأله: «ما الذي جاء بكم؟» فيقول: «إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام».


فيا أيها المسلمون...
انبذوا أفكار الغرب الكافر المستعمر الذي أذاق أمة الإسلام الويلات، وشمروا عن سواعدكم للعمل لتحكيم شرع الله في أرضه، فنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}


والحمد لله رب العالمين

     
18 من محرم 1441
الموافق  2019/10/17م