9 من ربيع الثاني 1441    الموافق   Dec 6, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




جواب سؤال

المجال الحيوي في السياسة الدولية

إلى محمد عياد



السؤال:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،


أعانكم الله تعالى وأجرى الخير على أيديكم وأيدينا، وأعزنا الله بالخلافة الثانية وجعلنا من شهودها وجنودها.


الموضوع: المجال الحيوي في السياسة الدولية


تقوم الدول الفاعلة والدول الكبرى بتحديد نطاق عمل تعطيه أولوية في تحقيق مصالحها تطلق عليه "المجال الحيوي"، وكذلك الحزب يجعل مجال العمل له في قطر، أو أقطار حتى يتمركز فيها فتقوم الدولة الإسلامية.


السؤال: هل على الخليفة القادم بإذن الله أن يحدد مجالاً حيوياً للدولة الإسلامية يعطيه أولوية لنشر الإسلام إلى العالم بالدعوة والجهاد؟ وجزاكم الله عنا كل خير.


الجواب:


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بارك الله فيك على دعائك الطيب لنا، ونحن ندعو لك بالخير...


إن ما أطلقت عليه في سؤالك لفظ "المجال الحيوي" بالمعنى الذي أشرت إليه هو أمر مهم جداً بالنسبة لأية دولة فاعلة على المسرح الدولي... ودولة الخلافة هي دولة مبدئية، وهي دولة عالمية لا دولة محلية؛ لأن عقيدتها عالمية، إذ هي عقيدة للإنسان، ولأن نظامها نظام عالمي، إذ هو نظام للإنسان، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾، وروى البخاري عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ»...


ومع أن دولة الخلافة تنظر إلى العالم كله وتجعل العالم كله محلاً لسياساتها وأعمالها كما يظهر ذلك في الحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «زُوِيَتْ لِي الْأَرْضُ حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَصْفَرَ أَوْ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَقِيلَ لِي إِنَّ مُلْكَكَ إِلَى حَيْثُ زُوِيَ لَكَ...»، إلا أن ذلك لا يعني أن تكون الخطط التي تضعها دولة الخلافة في السياسة الخارجية متساوية بالنسبة للدول، ولا يعني أن تحوز الدول والمناطق كلها في العالم على المقدار نفسه من الاهتمام من قبل دولة الخلافة، بل تضع دولة الخلافة مجالاً حيوياً لها وفق مصلحة الدعوة والمعطيات السياسية والاقتصادية والعسكرية القائمة، وتسعى إلى تحقيق سياساتها بقدر أكبر وعلى نحو مركز أكثر في المجال الحيوي الذي حددته لنفسها... ويتغير هذا المجال الحيوي تبعاً لتحقيق الأهداف وتغير الواقع ومصالح الدعوة...إلخ


وبتتبع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم يتبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل جزيرة العرب هي المجال الحيوي للدولة بعد أن أقامها في المدينة المنورة، ثم لم يلبث بعد أن تحققت له انتصارات كثيرة في الجزيرة، لم يلبث أن وسع مجال الدولة الحيوي ليشمل أطراف بلاد الشام والعراق... ثم جاء الخلفاء الراشدون من بعده فتوسع مجال الدولة الحيوي بعد حصول الفتوحات الأولى ليشمل الشام والعراق وفارس ثم مصر وشمال أفريقيا وغيرها... وهكذا تغير المجال الحيوي لدولة الخلافة وتوسع تبعاً للانتصارات التي حققتها الدولة وتبعاً لتغير المعطيات والظروف...

وعليه فإن دولة الخلافة الراشدة الثانية عندما تقوم بإذن الله ستعيد سيرة دولة الإسلام الأولى إن شاء الله، فستضع الخطط وترسم الاستراتيجيات المناسبة وستتخذ مجالاً حيوياً يتناسب مع مصلحة الدعوة والوقائع والمعطيات... وستتخذ ما يلزم من وسائل وأساليب لحمل الإسلام ونشره في الدنيا مراعية المجال الحيوي الذي حددته لنفسها، وستعيد النظر في هذا المجال الحيوي وفق مصلحة الدعوة والتغيرات والمعطيات التي تجدّ بإذن الله. وقد جاء في كتاب الدولة الإسلامية في باب "السياسة الخارجية للدولة الإسلامية" ما يشير إلى مراعاة الدولة للمعطيات القائمة في وضعها للخطط والأساليب لتحقيق سياساتها:


[وعلى ذلك فإن الفكرة السياسية التي تقوم عليها علاقة الدولة الإسلامية مع الدول والشعوب والأمم هي نشر الإسلام بينهم وحمل الدعوة إليهم، وطريقة ذلك هي الجهاد. غير أن هناك خططاً وأساليب تضعها الدولة وتضع لها وسائل وأدوات للتنفيذ. فهي مثلاً تعقد معاهدات حسن الجوار لأَجَل مع بعض الأعداء وتحارب الآخرين، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول نزوله المدينة. أو تعلن الحرب على أعدائها جميعاً، كما فعل أبو بكر حين وجه الجيوش للعراق والشام في آن واحد، أو تعقد معاهدات لأَجَل، حتى تتمكن من إيجاد رأي عام للدعوة، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في معاهدة الحديبية... وقد تعقد الدولة معاهدات تجارية مع بعض الدول ولا تعقدها مع دول أخرى، على أساس مصلحة الدعوة، وقد تنشئ علاقات مع دول ولا تنشئها مع أخرى، حسب خطة مرسومة للدعوة، وقد تتبع أساليب الدعوة والدعاية مع بعض الدول في حين تتبع أساليب كشف الخطط والحرب الباردة مع دول أخرى، وهكذا تضع الدولة خططاً وتنفذ أساليب حسب ما يقرره نوع العمل وتقتضيه مصلحة الدعوة... ولكن ذلك كله إنما هو لنشر الإسلام بواسطة طريقة نشره وهي الجهاد في سبيل الله.] انتهى، واتخاذ مجال حيوي للدولة ليس بعيداً عن هذا الكلام المنقول من كتاب الدولة الإسلامية.


وتقبل تحياتي


أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 


     
25 من ذي الحجة 1440
الموافق  2019/08/26م