23 من رجب 1442    الموافق   Mar 7, 2021

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
طاعة الرحمن تكون بالسير وفق شرعه .. وبها تتحقق حلاوة الإيمان


قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 16/8/2019 م بعنوان: (حلاوة الإيمان ثمرة من ثمرات طاعة الرحمٰن)
ولنا مع عنوان الخطبة وقفات:


بداية لا بد من الإشارة إلى نقطة هامّة، إن ممّا يثير كلّ حفيظة لدى المرء، عندما تطرح وزارة الأوقاف مواضيع خطبة الجمعة تجعلها مقتصرة على الأفراد العُزَّل وكأن خطاب الشارع لم يوجَّه إلا لهم! واستُثنيَ الحاكم ونظامه كاملاً، وهم أوْلى الناس بالخطاب، كما أنها تستثني الاحكام الشرعية والقضايا والفروض التي تتعلق بالامة،فهي لا تريد إستنهاض هممها للعمل الجاد المتعلق بها كأمة هي صاحبة السلطان التي تنيب عنها الحاكم الذي يحكمها بالإسلام، وهو السلطان المغتصب من قبل الحكام والذي يوجب الشرع عليها العمل لإستعادته.


أولاً: إنّ الإيمان هو التّصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، وهذا الإيمان لا يتأتّى حصوله إلا بعقيدة ثبتت صحّتها قطعاً، فتكون مقنعةً للعقل، ومطمئنةً للنفس، وموافقةً للفطرة، وهذا الأمر منتفٍ عن جميع العقائد سوى عقيدة الإسلام.
فهي الوحيدة القادرة على تقديم إجابات صحيحة عن الأسئلة الوجودية التي تدور في خَلَد الإنسان، عن سبب وجودة ومن أين أتى، وماذا كان قبله وما سيكون بعده، وعن علاقته بما قبله، وعن علاقته بما بعده.

وقد حُقّ لهذه العقيدة أن تتجسّد وتكون واقعاً عمليّاً في كل مناحي الحياة، في الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء، بأن يُسيِّرَ الفرد علاقاته مع نفسه ومع غيره ومع ربّه وفقها، وهذا يكون حين تُحكّم هذه العقيدة الشاملة في جميع هذه العلاقات، وأن تصبح أنظمتها وأحكامها التي انبثقت عنها ممثّلة بدولة تكون هي الكيان التّنفيذيُّ لها، وهذه الدولة هي "الخلافة" .


وقد أرسل اللّٰه -تعالى- رسوله مُحمَّد -ﷺ- بشريعة الإسلام الكاملة، وأرسل معه دستور الأمة المعجر القرآن.
يقول -تعالى- في محكم تنزيله: ﴿..وَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ..﴾ يقول الطبري في تفسير هذه الآية: نـزل عليك يا محمد هذا القرآن بيانا لكلّ ما للناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب (وَهُدًى) من الضلال (وَرَحْمَةً) لمن صدّق به، وعمل بما فيه من حدود الله ، وأمره ونهيه، فأحل حلاله، وحرّم حرامه ( وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )؛ أي وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد، وأذعن له بالطاعة، يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة، وعظيم كرامته.


فمن عاش في كنف الحكم الإسلاميّ ونظامه وكان سيره وفق هذا الشرع، ومن عاش حياته يعمل لتحكيم الشرع تطبيقاً لهذا الفرض العظيم فقد ذاق حلاوة الإيمان بالسير وفق أمر الرحمٰن..
يقول -تعالى-: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهكذا تكون حال حملة الدعوة والشريعة.
يقول رسول الله -ﷺ- :«ذَاقَ طَعْمَ الإيمانِ : مَنْ رَضِيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رَسُولاً »، هذا الرضا مقرونٌ بالطاعة والعمل والتسليم لأمر الله..


ثانياً: يقول -تعالى- : "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"
يقول الطبري: قال بعضهم: الآية أنـزلت في قوم قالوا على عهد النبي -ﷺ- وسلم: "إنا نحب ربنا"، فأمر الله جل وعز نبيه محمدًا -ﷺ- أن يقول لهم: " إن كنتم صادقين فيما تقولون، فاتبعوني، فإن ذلك علامة صِدْقكم فيما قلتم من ذلك.
فمن أراد تحصيل حلاوة الإيمان التي عاشها الصحابة في رحاب رسول الله -ﷺ- عليه أن يحقّقَ المحبة التي كانوا فيها للّٰه ورسوله، وذلك بالطاعة والاتّباع..


و يقول الشاعر:

لو كان حبُّك صادقًا لأطعتَه *** إن المحبَّ لمَن يُحِب يطيعُ



كلٌّ منَّا يدَّعِي أنه يحبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكرمه، ويجلُّه، ويتبنى أسوته، ويتصف في حياته بالسيرة النبوية الشاملة؛ ولكن إذا قمنا بالمقارنة بين أقوالنا وأفعالنا، سنجد بينهما بونًا شاسعًا.
فمن يختار ومن يرضى لنفسه التشريعات البشرية، والقوانين الوضعية، تاركًا أوامر الله ونواهيه وسنن الرسول -ﷺ- ، وهَدْيه، وأسوته، ونابذاً لها وراء ظهره أو غير مهتم لها فقد خالف المحبة وما ذاق حلاوة الإيمان، فهذا عليه أن يسارع لطاعة اللّٰه ورسوله لكي ينجو، يقول -ﷺ-:(إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ..) فالعقاب والإثم على من بَعُد عن شرع الله، وعلى من رضي بهذا الإقصاء لدينه، وعلى من لم يُحرّك ساكناً نصرةً للدين، فأين هؤلاء من الإيمان وحلاوته!


ثالثاً: مما أضاع عند المسلمين حيوية العقيدة ولذة الايمان وحلاوته، هو اضمحلال العلاقة بينهم وبين الآخرة، فكلُّنا يعلم أن هذه الدنيا إلى زوال، وأن الموت حقٌّ علينا سيدركنا مهما عشنا، لكن قلَّ من يذكره، هذه الحقيقة يجب أن تحرّكنا للعمل لما هو باقٍ إلى أبد الآبدين، يقول -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
ويقول -ﷺ- : "مَا لي وَللدُّنْيَا؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا"، فالراكب الراحل لا ينهك نفسه في الطريق، ولا يأخذ معه إلا زاده وما يعينه على عبء الطريق، وما الزاد في طريقنا إلا طاعة اللّٰه والعمل على نيل رضاه ..


لذلك؛ ولإعادة إحياء هذه العقيدة في قلوبنا لا بد من إدراك الترابط بين حياتنا الدنيا والتي هي دار ممر، وبين الآخرة والتي هي دار مقر وخلود، فإما نار -أعاذنا الله منها-، وإمّا جنة - رزقنا الله إياها- فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

 


والحمدلله ربِّ العالمين.

     
14 من ذي الحجة 1440
الموافق  2019/08/15م