20 من ربيع الاول 1441    الموافق   Nov 17, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




كيف لتشريعات البشر أن تستقر على حال أو تهدي إلى خير؟


ذكرت أوساط إعلامية محلية مختلفة تعليقات وشكاو متعددة من سوء التشريعات وعدم استقرارها وكثرة تعديلاتها وتغييرها في برهات زمنية قصيرة مما يربك تصريف شؤون الدولة ورعاية الناس والعلاقات والأنظمة السائدة في المجتمع، فطالعتنا الرأي بتعليق بعنوان" عدم استقرار التشريعات يربك المؤسسات ..فمن يعلق الجرس؟" وفي موقع مرايا خبر بعنوان " خبراء: عدم استقرار التشريعات الضريبية يضر بالاقتصاد الوطني"، وغيرها الكثير التي تشتكي وتذم التشريعات المختلفة وعدم إستقرارها وخصوصاً الاقتصادية منها وذلك على مدى الشهور التي خلت.


ومنذ أن صدر الدستور الاردني عام 1952 من 131 مادة تعرض حتى عام 1999 لتسعة تعديلات لصالح ما يسمى بالسلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية، وتعديلات أخرى بعد احتلال الضفة الغربية، وفي عام 2011 جرت تعديلات تضمنت تعديل 45 مادة ووضع 15 مادة جديدة وإلغاء العديد من المواد، وما زالت التشريعات تتغير وتتبدل ولا تستقر على حال مع مرور كل دورة برلمانية وعلى يد ما يسمى بالمجلس التشريعي أي تشريع البشر.


ولم يسلم أي دستور وضعي نتيجة عقيدة المبدأ الرأسمالي الفاسدة التي تفصل الدين عن الحياة وهو الذي يسود دول العالم في العصر الحالي من التعديلات والتغييرات المتكررة أي الترقيعات لاسباب مختلفة اهمها قصور العقل البشري وعجزه عن الإلمام والإحاطة بكل مشاكل الإنسان بصفته إنسان، و وضع تشريع يصلح لبني البشر في العدل والمساواة والاستقرارلكل زمان ومكان، إذ أن تعريف فصل الدين عن الحياة يقتضي بالضرورة وضع البشر للتشريع الذي تسير عليه مجتمعاتهم ودولهم، فالذي صاغ الدستور هم مجموعة من العقول البشرية تفاوضوا على ما يحقق "المصالح"، والسعي نحو المصلحة، فهذا واقع كل صياغة بشرية عقلية للدساتير الوضعية.


فكانت النتيجة الحتمية أن عقيدة فصل الدين عن الحياة أي العلمانية فوق اعوجاجها لم تستقرَّ على حال؛ بل اعتراها التغيير مرات ومرات... ثم خرجت عن أصولها وقواعدها التي استندت إليها، فغيَّرها أصحابها أكثر من مرة؛ كلما واجهتهم مشكلة أو أزمة، وغيَّروا بعض أصولها الفكرية التي استندت إليها وخاصة في أسس الحريات الاقتصادية! فشكوى وتذمر من يسمون بالخبراء عدم استقرار التشريعات كان يجب أن ينصب على السبب وليس النتيجة، وهو ماثل لكل ذي بصر وبصيرة وهو إسناد التشريع للبشر بدل حصره لرب البشر.


فالله تعالى حصر حق التشريع به وحده، لتحقيق العدل وإقامة ميزان القسط في الأرض، فإن خلت مسألة من تشريعٍ متصل بالوحي فإن هذا مدخل لوجود الظلم بالتشريع البشري في تلك المسألة، فلا بد أن تحفظ الشريعة بقرآنها وسنتها لإتمام النعمة بإقامة ميزان العدل والقسط. فخطاب الشارع المعالج لمشاكل الإنسان انطلق من أساس أن كل مشكلة هي مشكلة إنسانية ابتداءً، فيعالجها لهذا الإنسان بصفته إنساناً له غرائز وحاجات مختلفة، وخالق الإنسان هو الأدرى بهذه الغرائز والحاجات ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وهو عز وجل غير محدود العلم والقدرة، وهو العليم الحكيم الذي لا يخطئ ولا يجوز عليه الخطأ، فكان هو الأولى بوضع الحلول لمشاكل هذا الإنسان ليسير عليها.


إن أحكام الشرع منظومةً متكاملة من الحقوق والمسؤوليات والواجبات والضوابط، وحدودًا من الحلال والحرام، ومع أنها ثابتة لا تتغير لأن الناحية الإنسانية لا تتغير، إلا أنها تستوعب تطورات الحياة للإنسان ونشاطه، فنظرة إلى النظام الاقتصادي نرى أن الإسلام قد وضع الأحكام التي توزع الثروات خير توزيع بعد أن وضع الله في الأرض خيراتها وقدر فيها أقواتها، وكانت أحكامه ترمي إلى ضمان حاجات الإنسان الأساسية وتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية بقدر المستطاع، ووضع للمال سياسات ليقوم المال بدوره ودورته في الاقتصاد، (وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ٣٤ ).

وإذا نظرنا إلى الحكم نرى أن الإسلام جعل التشريع لله وحده، فهو خالق الناس يعلم سر صلاحهم ويعلم ما يفسدهم، ويعلم حالهم ومآلهم، فكانت السيادة للشرع، و بالمقابل جعل السلطان للأمة، تنيب عنها من تشاء في تطبيق شرع الله؛


فلا يمكن أن يحدث استقرار في ظل دستور وتشريعات مبنية في أسسها بل وفي تفصيلاتها على فلسفة الغرب في التشريع، فالإستقرار الحقيقي والطمأنينة والعيش الرغيد للأمة، لا يكون إلا في ظل تطبيق حقيقي للإسلام كاملًا، يتمثل في دولته دولة الخلافة الإسلامية، التي تنبني كل مؤسساتها، وأجهزتها، وأنظمتها، ودستورها على أحكام شرعية تنبثق من العقيدة الإسلامية التي هي عقيدة الأمة.


وقبل ذلك كله لا بد أن ندرك أن في التطبيق الحقيقي للإسلام إنما نسعى لرضوان الله سبحانه وتعالى وطاعته وعدم مخالفة أمره وتحقيق عاقبة السمع والطاعة وهما الفلاح والفوز في الدنيا بالاحتكام لشرع الله والفوز بالاخرة قال تعالى: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون )النور 51-52.


وإننا في حزب التحرير بما نحمله من مشروع دستور للدولة منضبط بالأدلة الشرعية؛ نستشرف عودة الخلافة التي بشّر بعودتها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنخلص الأمة الإسلامية بل الإنسانية كلها من قهر الرأسمالية.

 


كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير/ ولاية الأردن

د. عبدالله شاكر

     
06 من ذي الحجة 1440
الموافق  2019/08/07م