21 من ذي القعدة 1440    الموافق   Jul 23, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
الوسطية مصطلحٌ دخيلٌ على الأمة الإسلامية
وتحقيق "التوازن والاعتدال" لا يكون إلا بتطبيق الإسلام كنظام حياة

 

قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 12/7/2019م بعنوان (التوازن والاعتدال في الشريعة الإسلامية)، وسيكون لنا وقفات مع هذه الخطبة.

 

أولاً:خلق الله -عزّ وجلّ- الكون محكماً متزناً في قوانينه وتدبيراته التي يسيّرها عليه، كما قال تعالى: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ"، وقال: "وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ".
وكذلك حال شريعته تعالى التي أنزلها على نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأمر المسلمين باتّباعها وتطبيقها في شتى مناحي حياتهم، يقول عز وجل: "إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم..."، ويقول: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ...".
فالشريعة الإسلامية صالحةٌ لكل زمان ومكان وذلك آتٍ من أنّها تعالج مشاكل الإنسان في جميع الأزمنة والأمكنة بأحكامها، وتتسع لمعالجة مشاكل الإنسان كافّة مهما تجددت وتنوعت، لأنّها حين تعالج مشاكل الإنسان إنّما تعالجه بوصفه إنساناً لا بأي وصف آخر.


ثانياً: لقد كرّرت وزارة الأوقاف في خطبتها لفظ "الوسطية" وطرحته بمعنى الوقوف في المنتصف بين شيئين، مستدلةً بقوله تعالى:"وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا"، إلّا أنّ هذا اللفظ بهذا المعنى هو مصطلحٌ طارئٌ مستحدثٌ لم يرد على الأمة الإسلامية إلا بعد تسلّط الرأسماليّة التي بُنيت في أساسها على فكرة الحل الوسط، فكان من جرّاء هذا التّسلط على المسلمين أنها أدخلت هذا المفهوم الخاطئ وحاولت جعله جزءاً من شريعتهم الإسلاميّة، فأصبح بحث بعض المسلمين للأحكام الشّرعية ينطلق من منطلق التوفيق بين الأطراف للوصول بهم إلى حلٍّ وسط بغضّ النّظر عن الحكم الّشرعيِّ وبعيداً عن طريقة البحث الشّرعيّة، فحاولوا إلباس الإسلام أحكاماً لا علاقة له بها، كمن نادى بالتّوفيق بين العلمانية والخلافة الإسلامية فخرج بالمدنية بمرجعية إسلامية، وهو طرحٌ لا يمت للإسلام بِصِلة.


ثالثاً: أما عن قوله تعالى: "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا"، فقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم (بالعدل)، روى البخاري (4487) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُدْعَى نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلام يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ؛ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ أَوْ مَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ , قَالَ : فَيُقَالُ لِنُوحٍ : مَنْ يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ , قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) قَالَ : الْوَسَطُ الْعَدْلُ ). ويقول الطبري: (وأما الوسط فإنه في كلام العرب : الخيار , يقال منه : فلان وسط الحسب في قومه : أي متوسط الحسب , إذا أرادوا بذلك الرِّفع في حسبه).


رابعاً: لا يوجد إسلام وسطي، ولا إسلام متشدد، ولا إسلام معتدل، فالإسلام هو الإسلام، والإسلام الذي قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، هو نفسه الإسلام الذي قال: اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، والإسلام الذي عمل معاهدة مع يهود المدينة هو نفسه الإسلام الذي ذبح يهود بني قريظة عندما اعتدوا على نساء المسلمين، والإسلام الذي قال: ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك هو نفسه الإسلام الذي قال: قاتلوا الذين يَلُونكم من الكفار ولْيجدوا فيكم غِلظة .
فهناك تضليل واضح في تفسير الآية التي يستشهد بها دعاة الوسطية لمآرب تقريب مصطلحات تتعلق بالعلمانية من مفاهيم الإسلام الصحيحة ، فالوسطية التي وردت في الآية الكريمة هي وصف للأمة ( أمة وسطا ) وليست وصف للإسلام وبذلك تسقط كل الإدعاءات بوسطية الإسلام بالمفهوم المضلل الذي يريدونه.


خامساً: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن دين الله لا ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه). رواه البيهقي في الدلائل، وحسنه الحافظ ابن حجر. فالواجب على الأمة الإسلامية أن تعمل لتطبيق دينها في جميع نواحي حياتها، امتثالاً لأمر ربها، وحينها ستنعُم بما تميّز به الإسلام عن باقي الأنظمة الوضعية.


قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)


والحمدلله رب العالمين

     
09 من ذي القعدة 1440
الموافق  2019/07/11م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد