21 من ذي القعدة 1440    الموافق   Jul 23, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات

انتشار المؤثرات العقلية هو نتاجٌ لتطبيق الأنظمة الوضعية

وإقصاء الاسلام عن معترك الحياة

قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 28/6/2019م بعنوان (المؤثرات العقلية وحكمها في الإسلام (آفة المخدرات)) ، وسيكون لنا وقفات مع هذه الخطبة.

أولاً: جاء الإسلام بأهدافٍ عليا لصيانة المجتمع؛ كالمحافظةُ على نوعِ الإنسانِ، وعلى العقلِ والدين والكرامةِ الإنسانيَّةِ ، وهذه الأهداف هي أوامر ونواهٍ من الله عز وجل، وهيَ ثابتةٌ لا تتغيَّرُ ولا تتطوَّرُ، وَوَضَعَ الإسلامُ للمحافظةِ عليها عقوباتٍ صارمةً، ولذلكَ يُعتَبرُ القيامُ بالمحافظةِ على هذهِ الأهدافِ واجِباً، لأنَّها أوامرُ ونواهٍ منَ اللهِ عز وجل .

ثانياً: إن مما وضعه الإسلام لصيانة المجتمع أن عمِل على حفظ العقل . ولقد أنزل الإسلامُ العقلَ منزلته المرموقة التي يستحقها، فجعله مناط التكليف، وحثّ على استعماله فطلب من المسلمين التدبّر والتفكّر والاجتهاد، ورفع من منزلة العلماء الذين لم يصلوا إلى تلك المنزلة إلا بإعمال عقولهم ، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، وحرّم كل ما من شأنه أن يؤثر على عمل العقل كشرب الخمر، وتناول المخدر، وامتهان السحر، وشرع عقوبات على من يتعاطى ذلك.

ثالثاً: عند الحديث عن الحكم الشرعي في المخدرات فإنها تأخذ حكم الخمر الذي حرمه الإسلام وأمر باجتنابه فقال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾المائدة:90. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كل مسكر حرام» (صحيح البخاري)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث» (سنن النسائي)، كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عن كل مسكر ومفتر» (سنن أبي داود). والخمر هو: كل ما خامر العقل أو غطاه أو ستره بغض النظر عن مظهره أو صورته، و كل المخدرات مسكرة ومفترة وهي حرام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» (صحيح مسلم).

رابعاً : إن مما هو ملاحظٌ على وزارة الأوقاف تكرارها لموضوع المخدرات وغيره من الجرائم المنتشرة في المجتمع، ظناً منها أن المواعظ الخالية عن طريقة التطبيق أو تغاضيها عن أحكام التنفيذ الشرعية ستؤدي إلى الحد من هذه الجرائم، إلا أن حقيقة الأمر أنه عندما تنتشر قوانين الطاغوت وأحكام الفساد الوضعيّة، وعندما تسيطر على البلاد طغمة حاكمة لا ترقب في مؤمن إلّاً ولا ذمة فستُلقي بالمجتمعات في مهب الريح والضنك وستنتشر القناعات المادية البحتة الجشعة بين عموم الناس، إضافةً إلى كل أنواع الموبقات والمنكرات التي ستحرف شباب المسلمين عن جادة الصواب، وسيظهر الفساد في البر والبحر، فهذه نتيجة حتميّة لتطبيق الأنظمة الوضعية وتنحيةِ النظام الإسلامي .

خامساً: من أهم اسباب إنتشار الفاحشة والرذيلة هو غياب عيش المسلمين العيش الطبيعي الذي يوفره الكيان السياسي التنفيذي للإسلام الذي يجعل العقيدة الاسلامية أساس الدولة والمبدأ الذي تحياه الامة والفرد والدولة، فيسود بذلك نظام الرقابة الذي اقره مبدأ الإسلام، أو ما يسمى بالرقابة الذاتية أو عامل التقوى، فتطبيق المبدأ قبل أن يعتمد على قوة الجندي وصرامة القانون ، فإنه يعتمد على عامل هام وهو حقيقي لا خيالي ووجوده ضروري ولازم، ألا وهو عامل التقوى. فالمسلم سواء أكان فرداً من الرعية أو حاكماً، بفعل العقيدة التي رسخت عنده يعلم أنه مقيد في فكره وسلوكه بما تقول به عقيدته وبما تأمر به أحكامه، مما يجعل المسلم يدرك صلته بالله في كل حين ويعمل على تمتين وتقوية هذه الصلة دائماً وأبداً، طمعاً في دخول الجنة. هذا العامل الهام في الرقابة مفقود في المبادئ الأخرى، وهو أول ما يميز مجتمع المسلمين على سائر المجتمعات الأخرى، وهو ما يمنع المسلمون بمجملهم من تعاطي المخدرات وشرب الخمر طمعاً برضوان الله وخوفاً من عقابه في الدنيا والاخرة، والذي لا تدخل فيه الحسابات المادية والنفعية التي تسود اليوم من جراء تطبيق أنظمة الكفر.

لذلك فإن طرح هذه الجرائم ومحاولة الحد منها بعيداً عن أُسّ المشكلة، هو طرحٌ مضلِلٌ ولا يُوصِلُ إلى الغاية المرجوة منه، فلا بد أن نقول للمسلمين أن هذه الجرائم هي نتاج تطبيق الأنظمة الوضعية، وإن الحل للتخلص منها هو تطبيق النظام الإسلامي بأكمله في جميع نواحي الحياة
وهذا أمرٌ تقطع به النصوص الشرعية كقوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)، وهو أمرٌ يشهد له التاريخ... فهلّا تذكَّرْنا أياما لم يفتتح فيها الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه جلسة محاكمة واحدة خلال سنة كاملة في ظل خلافة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه في ظل دولة الإسلام، وهلّا تذكرنا اسطنبول عاصمة دولة الخلافة العثمانية العلية والتي قال عن أهلها مستشرق أوروبي في القرن السادس عشر بأن هذا شعب لا يسرق ولا يعرف السرقة؟ وهلّا استذكرنا رفض الناس أخذ المال من بيت مال المسلمين في عهد خلافة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز رحمه الله وذلك لعدم حاجتهم له بسبب رعاية الدولة لهم مادياً وفكرياً ولقناعتهم المبنية على الأفكار الإسلامية والحياة الإسلامية بأن هناك من هو أحق منهم بهذا المال؟!

فالله الله في أن تعود لنا أيام مثل تلك الأيام بعمل وجهد الأمة لعزة دينها وإقامة حكمه وعدله فنحيا الحياة الطيبة الآمنة المطمئنة في ظل حكم الإسلام وعدالته وعزه، كما قال عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.


والحمد لله رب العالمين



     
24 من شوال 1440
الموافق  2019/06/27م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد