21 من ذي القعدة 1440    الموافق   Jul 23, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

العطل الصيفية تعكس سوء سياسة التعليم

وضياع السنوات من أعمار أبنائنا

 

قررت وزارة الاوقاف ان يكون عنوان الخطبة الموحدة ليوم الجمعة  14 / 06/2019  " أبناؤنا واغتنام العطلة الصيفية "، والتي نتناولها كما يلي:


إن ثقافة أي أمة هي العمود الفقري لوجودها وبقائها؛ فعلى هذه الثقافة تبنى حضارة الأمة وتتحدد أهدافها وغايتها ويتميز نمط عيشها، وبهذه الثقافة ينصهر أفرادها في بوتقة واحدة، لأن هذه الثقافة هي عقيدتها وما ينبثق عن هذه العقيدة من أحكام ومعالجات وأنظمة للحياة، وما يبنى عليها من معارف وعلوم، وثقافة الأمة هي الصانع لشخصيات أفرادها، فهي التي تصوغ عقلية الفرد وطريقة حكمه على الأشياء والأقوال والأفعال كما تصوغ ميوله، وبالتالي تؤثر في عقليته ونفسيته وسلوكه، والتعليم هوالطريق لحفظ ثقافة الأمة في صدور أبنائها وفي سطور كتبها، سواء أكان التعليم منهجياً أم غير منهجي. والتعليم المنهجي هوالتعليم المنضبط بأنظمة وقوانين تتبناها الدولة، وتكون الدولة مسؤولة عن تنفيذه.


يعاني العالم الاسلامي ومنه الأردن اليوم من أزمة عميقه في التعليم و سياسة التعليم، بإعتراف غالبية المختصين المخلصين بالتعليم والمناهج التعليمية في بلاد المسلمين، فلقد غاب عن الأمة الإسلامية نتيجة الواقع الحالي لسياسة التعليم، وجه حضارتها المشرق بغياب ثقافتها المتميزة، وهي الثقافة الاسلامية القائمة على أساس العقيدة الاسلامية، ونتج عن ذلك أفول الشخصيات الاسلامية المتميزة التي كانت تصوغها العملية التعليمية بإشراف الدولة الإسلامية، دولة الخلافة على مر العصور، فقد كانت دولة الخلافة تنتهج ثقافة تصوغ عقلية الفرد وحكمه على الاشياء والافعال، وتصوغ ميوله فارتقت نفسيته، وانسجمت مع عقليته،  مما جعلها أمة أفرادها يتميزون بشخصيات يمثلون حضارتهم وعقيدتهم، وغنية بالعلماء الأفذاذ.



فقد أفرزت سياسة النظام في التعليم على مر العقود والتي تتماهى مع النظام الرأسمالي وإملاءات أعداء الأمة في تغيير المناهج لتلائم حرب الغرب على الإسلام وتغريب أبناء الأمة، أفرزت واقعا لا ينم عن رعاية مخلصة لأبناء الأمة الذين يعانون من ضعف وخبث هذه المناهج المعدومة شكلا ومضمونا فهي تزيف التاريخ، وتمسخ الأذواق وتلوي الألسن وتحجم العقول عن الإدراك وتقتل الإبداع وتبغض القيم الإسلامية وتزين الآثام والقيم الدنيوية الرأسمالية العفنة.


فكان بناء العقيدة والمحفاظة على الهوية الإسلامية في أطفالنا و شبابنا وإعدادهم للتعامل مع التحديات الكبيرة التي تواجههم في تمسكهم بدينهم، ودفاعهم عن تطبيق الشرع، والكفاح من أجل دينهم، والمفاهيم الاساسية من أهم الاعمال التي يجب ان تغرس وتبنى في شبابنا من أجل تمكينهم من التغلب على التحديات التي يواجهونها بشكل فعال وخصوصاً في ظل غياب دولة الخلافة التي تقوم ببناء العقلية والنفسية الإسلامية لخلق شخصيات إسلامية فذه تعمل عمل الصحابة في إحداث التغيير الانقلابي الشامل الذي يعيد للمسلمين كيانهم السياسي الذي تم اسقاطه عام 1924،  ويعدهم ليكونوا قادة في معترك السياسة والجهاد وحمل الدعوة.

 

ونأتي على موضوع  خطبة الجمعة المقترحة ليوم غد لتناولها كما يجب بما يفيد أبناء الامة عملياً ، فقبل ان نتحدث عن العطلة الصيفية وكيفية إغتنامها، يجب ان نذكر عقم سياسة التعليم التي تفرز عطلة مدتها على الاقل 3 سنوات من حياة الطالب، تضيع من أعمار أبنائنا عبثاً، بدل إدراجها ضمن دورات مدرسية منظمة تراعي الفروقات العقلية والتحصيلية والقدرات الابداعية بين الافراد لتتيح للطالب التخرج من التعليم المنهجي المدرسي ما بين سن الخامسة عشرة الى سن الثامنة عشرة من عمره، وهي بنفس الوقت تراعي اوقات للراحة والاستثمار في النواحي الاخرى للتعليم المهني والإبداعات الاخرى، ولكن أنى يكون ذلك للدولة التي بلغت مديونيتها 40 مليار دولار والبطالة 19 % نتيجة ممارسة النظام الرأسمالي الكافر سواء في السياسة ام الاقتصاد ام الحكم ولا يهتم فيه النظام برعاية شؤون امته وشبابه.

 

ونضع في حزب التحرير رؤيتنا لأسس التعليم المنهجي في دولة الخلافة التي نسعى مع الامة لإقامتها والتي سطرها في دستوره المقترح لهذه الدولة ومنها ما يلي:


  • الغاية من التعليم هي إيجاد الشخصية الإسلامية وتزويد الناس بالعلوم والمعارف المتعلقة بشؤون الحياة. فتجعل طرق التعليم على الوجه الذي يحقق هذه الغاية وتمنع كل طريقة تؤدي لغير هذه الغاية.
  • يتكوَّن نظام التعليم في دولة الخلافة من مجموعة الأحكام الشرعية والقوانين الإدارية المتعلقة بالتعليم المنهجي. فالأحكام الشرعية المتعلقة بالتعليم تنبثق عن العقيدة ولها أدلتها الشرعية، مثل مواد التدريس والفصل بين الطلبة الذكور والإناث

مراحل التعليم المدرسي:


عند تقسيم التعليم إلى مراحل، لا بدّ من مراعاة واقع الطالب طفلاً كان أم بالغاً في كل مرحلة، ولا بدّ من الرجوع إلى الأدلة الشرعية، وما دلّت عليه من أحكام في شأن الطفل أو البالع، من حيث التعامل معه من قبل ولي الأمر، ومن ثم من قِبل المعلم والمربي، لكون تنظيم العلاقة بين الإنسان بغيره في الإسلام له أحكام آتية من الخالق المدبر، ربَّ العالمين، ومطلوباً الالتزام بها.

 

ومن الأدلة المتعلقة بهذا الموضوع قوله تعالى في سورة النور آية (58) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ) الآية، وقال تعالى في الآية التي تليها: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ). وقال صلى الله عليه وسلم(رفع القلم عن ثلاثة، عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم) - رواه أبو داوود في سننه، وقال صلى الله عليه وسلم (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا) وأشار إلى وجهه وكفيّه - رواه أبو داوود في سننه.

 

وقال صلى الله عليه وسلم (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين) - رواه الإمام أحمد في مسنده. فالحديث يدلّ على أنّ الطفولة بالنسبة للتأديب تُقسم إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل بلوغ الطفل السنة العاشرة من عمره، لا يستعمل فيها الضرب في تأديبه، لأنّ الحديث في هذا السن اقتصر على أمره بالصلاة دون ضربه، فمن باب أولى أن لا يضرب على تعليمه غير الصلاة، فيُقتصر في تأديبه على أساليب الترغيب والترهيب دون الضرب.

 

ومرحلة ما بعد العاشرة من عمره حتى البلوغ، يُستعمل فيها الضرب في تأديبه إن لَزِم. ولا تطبق عليه الحدود والعقوبات الشرعية إلا بعد بلوغه الحلم وهي مرحلة ما بعد البلوغ، لقوله صلى الله عليه وسلم: (رُفع القلم عن ثلاثة، عن الصبيّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ) رواه أبو داوود في سننه. ومعنى "رُفع القلم "هنا رفع التكليف. فإذا بلغ الأطفال الحلم صاروا مكلفين شرعاً، فإن ارتكبوا مخالفة أو حراماً، عوقبوا بأمر من القضاء وهذا يقتضي وجود قُضاة في مدارس الطلبة البالغين وفي دور التعليم العالي.

 

هذه الأحكام بالنسبة للطفل والبالغ، لا بدّ من مراعاتها عند تقسيم مراحل التعليم لأن التربية والتأديب من مستلزمات التعليم. فتمتد المرحلة المدرسية الأولى من دخول الطفل المدرسة إلى أن يبلغ العاشرة من عمره، والمرحلة المدرسية الثانية من بلوغه العاشرة حتى يبلغ الحلم، وهو غالباً ما يكون في سن الخامسة عشرة في البلاد المعتدلة المناخ. والمرحلة الدراسية الثالثة تمتد من الخامسة عشرة من عمره حتى ينهي التعليم المدرسي.

 

وبناءً على هذة الأدلة والأحكام تُقسم مراحل التعليم المدرسي في دولة الخلافة على أساس أعمار الطلبة، وليس على أساس المواد الدراسية التي تقيمها المدرسة. فتقسم المدرسة إلى ثلاثة أنواع على النحو التالي:

 

مـدرسـة المرحـلـة الأولــى (الابتدائية)مـن إتمام السادسـة حتـى إتمام العـاشـرة

مـدرسـة المرحـلـة الثانـيـة (المتوسـطـة)من إتمام العاشـرة حتـى إتمام الرابعـة عشـرة

مـدرسـة المرحـلـة الثالـثـة (الثـانـويـة)من إتمام الرابعة عشرة حتى إنهاء المرحلة المدرسية

 

فإذا أنهى الطالب السنة العاشرة من عمره، فإنه يراعي حينها أن ينقل إلى مدرسة المرحلة الثانية بصرف النظر عن درجة تحصيله الدراسي. وإذا وصل الطالب مرحلة البلوغ ينقل عندها إلى مدرسة من مدارس المرحلة الثالثة (مدارس البالغين) سواء بلغ هذة المرحلة دراسيا أم لم يبلغ.


تتكون المراحل المدرسية من ست وثلاثين دورة مدرسية متتالية، مدة كل منها (83) يوماً. ويحدد لكلِّ دورة مجموعة من الوحدات الدراسية. ويبدأ الطالب المراحل المدرسية بدراسة الدورة الأولى وكلما نجح في دورة يُرفَّع إلى الدروة التي تليها، حتى ينهي المراحل المدرسية وذلك بإنهائه الدورة السادسة والثلاثين بنجاح. وتُقسم السنة الهجرية إلى أربع دورات زمنية متساوية يفصل بين كل دورة والتي تليها ثلاثة أيام يعطل فيه الطلبة.


ويجوز للطالب أن يستريح دورة مدرسية واحدة فقط في كل ثلاث دورات متتالية على الأقل، ويجوز له أن يتابع دراساته دون استراحة. ولهذا فإن النظام يتيح للطالب المجد أن ينهي المرحلة المدرسية في مدة زمنية أقل من أقرانه، وذلك بمتابعة دراسته ونجاحه في الدورات المدرسية دون أخذ الإجازات الفصلية أو بالتقليل منها. فالوحدة الزمنية للتدريس هي الدورة المدرسية المكونة من (83) يوماً وليست السنة، فلكل دورة منهاجها ولكل دورة طلابها.


ونظام الدورات المدرسية هذا، علاوة على أنه يراعي الفروق الفردية لقدرات الطلاب، فإنه يحرص على أهمية الوقت والتحصيل العملي لديهم.


وكما أنه مطلوب من المدرسة أن تكون الحاضنة الأولى لبناء شخصيات إسلامية متميزة، في علم أصول الفقه واللغة والتفسير، فإنّه مطلوب منها أيضاَ أن تكون الحاضنة الأولى لبناء شخصيات إسلامية متميزة بالمعارف العلمية كعلم الذرة والفضاء والكمبيوتر

 

التقويم المدرسي

 

إن نظام العمل والتأريخ في دولة الخلافة هو التأريخ الهجري. تتكون السنة الهجرية من 354 يوماً يطرح منها ثلاثة أيام لعيد الفطر المبارك وسبعة أيام لعيد الأضحى، فيبقى من السنة 344 يوماً توزع على الدورات الدراسية الأربع .

 

تبدأ الدورة المدرسية الأولى في غرّة محرّم الحرام من كل عام، ولمدة (83) يوماً، ويشمل ذلك أيام الجمعة الواقعة في تلك الفترة، كما يشمل فترة الامتحانات النهائية لتلك الدورة. أي تنتهي الدورة بعد مرور (83) يوماً من بدايتها. ثم تبدأ الدورة التالية بعد استراحة (3) أيام من نهاية الدورة السابقة.

 

وجاءت الدورة الرابعة من العام دورة متميزة من حيث انها تتضمن شهر رمضان، كما تتضمن عيدي الفطر والأضحى، وهي أيام مباركة، يستطيع بعض الطلاب أو بعض المعلمين أن يأخذوا الدورة كلها إجازة لأداء فريضة الحج أو العمرة أو السفر. وقد يستطيع البعض من أداء فريضة الحج في إجازة عيد الأضحى المبارك البالغة سبعة أيام.

 

هذه لمحة قصيرة فيما يتعلق بأسس التعليم المنهجي في دولة الخلافة القادمة قريباً  بإذن الله،  وتبين الدورات المدرسية والتقويم المدرسي الذي يراعي الحياة الاسلامية ومناسباتها التي أقرها وفرضها الشرع، والتي تحرص على استغلال الوقت بما يفيد في تهيئة ابناء الامة ليصبحوا شخصيات اسلامية فذة، فلا عطل عبثية من دون أهداف بل تنظيم مسؤول مخلص يتماهى مع الرعاية الحقيقية للامام المسؤول عن رعيته والتي سيسأله الله عنها.


والحمد لله رب العالمين

 

     
10 من شوال 1440
الموافق  2019/06/13م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد